ترامب ومارك روته أمين عام حلف شمال الأطلسى
ترامب ومارك روته أمين عام حلف شمال الأطلسى


أمريكا - الناتو.. بين الانسحاب الجزئى أو الانفصال الكامل

محاسن الهواري

السبت، 25 أبريل 2026 - 07:37 م

أعاد تصاعد الجدل حول احتمال انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسى، طرح تساؤلات عميقة بشأن مستقبل الأمن الأوروبى، ودفع دول الحلف إلى الانتقال من مرحلة القلق إلى إعداد خطط واقعية للتعامل مع هذا السيناريو.

وقد شهدت العلاقة بين الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، وحلف شمال الأطلسى، توترًا ملحوظًا على خلفية الحرب مع إيران، حيث عَبَّر ترامب عن استيائه من موقف عدد من الدول الأوروبية التى امتنعت عن الانخراط العسكرى المباشر أو تقديم دعم واسع للعمليات الأمريكية.

وقد اعتبر ترامب، أن هذا الموقف يعكس خللًا فى مبدأ «الدفاع الجماعى» الذى يقوم عليه الحلف، متهمًا بعض الحلفاء بالاستفادة من الحماية الأمريكية دون تحمل تكاليفها أو مخاطرها.

وصَعَّد ترامب لهجته ضد الحلف، مؤكدًا أنه «يفكر بقوة» فى الانسحاب من الناتو، وواصفًا الحلف بـ «نمر من ورق»، فى إشارة إلى ما يعتبره فشلًا أوروبيًا فى دعم واشنطن.

وفى المقابل، بررت دول أوروبية موقفها بالحذر من الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة، وفَضَّلت اتباع مسار دبلوماسى لتجنب التصعيد، مما عَمَّق فجوة الثقة بين واشنطن وشركائها داخل الناتو.

وقد دافع رئيس الوزراء البريطانى كير ستارمر، عن حلف شمال الأطلسى، واصفًا إياه بعد الانتقادات المتكررة التى وَجَّهها ترامب، بأنه «التحالف العسكرى الأكثر فاعلية الذى عرفه العالم على الإطلاق.»

ولم يقتصر هذا الخلاف على الجانب العسكرى، بل امتد إلى المستوى السياسى والاستراتيجى، حيث بدأ يُطرح بجدية داخل الأوساط الأمريكية سؤال جدوى استمرار الالتزام الكامل بالحلف فى ظل ما تعتبره واشنطن «غياب التضامن» فى أوقات الأزمات الكبرى.

وقد أشارت تقارير إلى أن إدارة ترامب تدرس خطة لسحب القوات الأمريكية من بعض دول الحلف مثل إسبانيا أو ألمانيا ونشرها فى دول أخرى تعد أكثر دعمًا للحرب الأمريكية على إيران مثل ليتوانيا وبولندا، وذلك لمعاقبة أعضاء الحلف «غير المتعاونين»، مشيرة إلى أن الخطة تحظى بترحيب كبار المسئولين بالإدارة الأمريكية.

وهكذا، لم يعد الحديث عن الانسحاب من الحلف مجرد ورقة ضغط سياسية تستخدمها واشنطن فى مواجهة حلفائها، بل أصبح احتمالًا تتم مناقشته بجدية داخل دوائر صُنع القرار، خاصة فى ظل التوترات المتزايدة بشأن تقاسم الأعباء الدفاعية واختلاف أولويات السياسة الخارجية بين ضفتى الأطلسى.

وتكتسب هذه التطورات أهمية مضاعفة فى سياق دولى يشهد تحولات سريعة، حيث تتزايد المنافسة بين القوى الكبرى، وتتراجع فكرة التحالفات الثابتة لصالح ترتيبات أكثر مرونة.

وفى الواقع أن التصدع فى العلاقة بين طرفى الأطلسى لا يعود إلى حرب إيران فقط، فمنذ عودة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب للبيت الأبيض تزايدت الانتقادات الأمريكية للدول الأوروبية بسبب ضعف إنفاقها الدفاعى مقارنة بحجم الاقتصاد الأوروبى.

وقد اعتبرت واشنطن، أن العديد من الحلفاء لا يلتزمون بالحد الأدنى المُتفَق عليه للإنفاق العسكرى، وهو 2٪ من الناتج المحلى الإجمالى، مما يضع عبئًا غير متوازن على الولايات المتحدة.

وفى المقابل، ترى دول أوروبية، أن دور الناتو لا يقتصر على كونه مظلة أمنية تقودها واشنطن، بل شراكة جماعية يجب أن تراعى أيضًا المصالح الأوروبية، خصوصًا تلك المتعلقة بالأزمات الإقليمية مثل الحرب فى أوكرانيا والتوترات بالشرق الأوسط.

وأدى هذا التباين فى الرؤى إلى بروز فجوة سياسية واستراتيجية داخل الحلف، فتحت الباب أمام سيناريوهات غير مسبوقة، من بينها احتمال تقليص أو انسحاب أمريكى.

ويثير هذا السيناريو، مخاوف واسعة بشأن الأمن والاستقرار، خاصة فى دول أوروبا الشرقية التى تعتمد بشكل كبير على الدعم الأمريكى فى مواجهة روسيا حيث ترى هذه الدول فى أى تقليص للدور الأمريكى تهديدًا مباشرًا لأمنها، مما يدفعها إلى المطالبة بضمانات إضافية من الحلف.

ولم يعد هذا السيناريو مستبعدًا، حيث قال الجنرال فرانسوا ليكوانتر، الذى شغل منصب رئيس أركان القوات المسلحة الفرنسية من عام 2017 إلى 2021: «لا يزال حلف شمال الأطلسى ضروريًا، ولكن يجب أن نكون قادرين على تصور الحلف بدون الأمريكيين»، وذلك فى تصريح يناقض تمامًا ما ذكره الأمين العام لحلف شمال الأطلسى مارك روته فى وقت سابق عندما وصف فكرة دفاع أوروبا عن نفسها دون الولايات المتحدة بأنها «فكرة سخيفة».

وفى مواجهة هذا السيناريو الذى لم يعد مستبعدًا، بدأت الدول الأوروبية داخل الناتو العمل على إعداد خطط بديلة تهدف إلى الحفاظ على تماسك الحلف وتقليل الاعتماد على القدرات الأمريكية.

وقد أبرزت هذه الخطط، عمق القلق الأوروبى إزاء موثوقية الولايات المتحدة، وقد تسارع العمل بها بعد تهديد ترامب بالاستيلاء على غرينلاند من الدنمارك، وهى دولة عضو فى الناتو.

وتركز هذه الخطط على عدة مسارات متوازية، أبرزها تعزيز القدرات العسكرية الأوروبية بشكل مستقل، سواء من خلال زيادة الإنفاق الدفاعى أو تطوير الصناعات العسكرية المشتركة.

وقد شهدت السنوات الأخيرة بالفعل، ارتفاعًا ملحوظًا فى ميزانيات الدفاع الأوروبية، مدفوعًا بشكل رئيسى بالحرب فى أوكرانيا والتهديدات الروسية المتزايدة، وقد عكس هذا الاتجاه إدراكًا متزايدًا لدى العواصم الأوروبية، بأن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة لم يعد خيارًا آمنًا فى ظل المتغيرات السياسية داخل واشنطن.

ويتعلق أحد أكثر التحديات تعقيدًا فى هذا السياق بالردع النووى، حيث تعتمد أوروبا بشكل كبير على المظلة النووية الأمريكية كعنصر أساسى فى استراتيجيتها الدفاعية، وفى حال انسحاب الولايات المتحدة أو تقليص التزاماتها، ستجد الدول الأوروبية نفسها أمام معضلة استراتيجية كبرى هى إما تطوير قدرات ردع نووى مستقلة، وهو خيار مكلف سياسيًا واقتصاديًا، أو البحث عن ترتيبات بديلة، ربما من خلال تعزيز دور القوى النووية الأوروبية مثل فرنسا.

كما يعمل الحلف على دراسة سُبل إعادة التوازن فى منظومة القيادة والسيطرة بحيث تكون أقل اعتمادًا على الدور الأمريكى، وتاريخيًا، لعبت الولايات المتحدة الدور المركزى فى قيادة العمليات العسكرية لحلف شمال الأطلسى، سواء من حيث التخطيط أو التنفيذ أو الدعم اللوجستى والاستخباراتى إلا أن تنامى المخاوف الأوروبية من احتمال تراجع الالتزام الأمريكى مستقبلًا دفع الدول الأوروبية إلى التفكير فى كيفية سد هذا الفراغ، عبر تعزيز قدراتها الذاتية فى مجالات مثل الاستخبارات والمراقبة والنقل العسكرى.

ولا تهدف هذه الخطوات فقط إلى الاستعداد لانسحاب كامل، بل أيضًا إلى التعامل مع سيناريو أكثر واقعية يتمثل فى تقليص الدور الأمريكى تدريجيًا دون انسحاب رسمى.

وتشير العديد من التقديرات إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحًا ليس الانسحاب الأمريكى الكامل، بل ما يمكن تسميته بـ»الانسحاب الجزئى» أو «إعادة التموضع»، وفى هذا السيناريو، قد تقوم الولايات المتحدة بتقليص وجودها العسكرى بأوروبا، أو خفض مساهماتها المالية، أو إعادة توجيه مواردها نحو مناطق أخرى مثل آسيا والمحيط الهادئ، حيث تركز استراتيجيتها على مواجهة صعود الصين.

ورغم هذه التحضيرات، لا تزال هناك عقبات كبيرة تحول دون انسحاب أمريكى كامل من الناتو، أبرزها التعقيدات القانونية والسياسية داخل الولايات المتحدة نفسها، فمن الناحية القانونية ربما لا يملك ترامب صلاحية الانسحاب من الحلف، فبموجب قانون صدر عام 2023 لا يستطيع أى رئيس أمريكى، الانسحاب من الحلف دون موافقة ثلثى أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكى وهو شرط شبه مستحيل.

لكن المحللين يقولون إن ترامب، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، يملك صلاحية تحديد ما إذا كان الجيش الأمريكى سيدافع عن أعضاء الحلف، ويمكن أن يؤدى رفضه القيام بذلك إلى تقويض الحلف دون انسحاب رسمى.

ورغم ذلك، لا تزال هناك مصالح استراتيجية أمريكية كبيرة بأوروبا، سواء من حيث القواعد العسكرية أو النفوذ السياسى، مما يجعل فكرة الانسحاب الكامل أقل جاذبية من الناحية العملية.

من ناحية أخرى، قد يؤدى انسحاب أو تراجع الدور الأمريكى إلى إعادة تشكيل التحالفات الدولية بشكل أوسع، حيث قد تسعى بعض الدول الأوروبية إلى تنويع شراكاتها الاستراتيجية، سواء مع قوى آسيوية أو من خلال تعزيز التعاون داخل الاتحاد الأوروبى، وهذا التحول قد يفتح الباب أمام نظام دولى أكثر تعددية، لكنه فى الوقت نفسه قد يزيد من حالة عدم الاستقرار، خاصة إذا لم يتم بشكل منظم ومدروس.

وفى ضوء كل ما سبق، يمكن القول، إن الناتو يمر بمرحلة مفصلية فى تاريخه، حيث يواجه تحديًا غير مسبوق يتمثل فى احتمال فقدان القوة التى شكلت عموده الفقرى لعقود.

ورغم أن هذا السيناريو لم يتحقق بعد، فإن مجرد الاستعداد له يعكس إدراكًا عميقًا لحجم التغيرات التى يشهدها النظام الدولى، وبينما تسعى الدول الأوروبية إلى تعزيز استقلالها الاستراتيجى، يبقى مستقبل الحلف مرتبطًا بشكل كبير بالتوجهات السياسية داخل الولايات المتحدة، مما يجعل السنوات القادمة حاسمة فى تحديد شكل الأمن الأوروبى والعالمى.

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة