د. عبدالله زكى
د. عبدالله زكى


د. عبدالله زكي: سأواصل البحث عن «المحيط المفقود» على المريخ

أحمد الجمال

السبت، 23 مايو 2026 - 05:39 ص

لعقود طويلة ساد الاعتقاد بأن المريخ مجرد صخرة قاحلة، لكن الباحث المصرى الدكتور عبدالله زكى قدم دليلًا قويًا على أن هذا الكوكب احتوى على محيط ضخم قبل ملايين السنين، وطرح ذلك فى دراسة نشرتها مجلة نيتشر فى أبريل الماضي، استندت إلى تحليل بيانات أقمار صناعية تابعة لوكالة اناساب الفضائية على مدار عقد كامل، كاشفةً وجود محيط هائل، مما يعزز فرضية وجود بيئات صالحة للحياة فى الماضى السحيق للكوكب الأحمر.

 ما التساؤل العلمى الرئيسى الذى انطلقت منه فى دراستك بشأن وجود محيطات قديمة بكوكب المريخ؟

- ببساطة شديدة كان المحفز الأساسى أن هناك شكًا لفترة طويلة حول ما إذا كان المريخ قد احتوى على محيط أم لا، لكن الخلاف دائمًا كان حول وجود انحراف فى مناسيب السواحل التى تم رسمها بمقدار كيلومترات، تخيل مثلًا أن يتم رسم شاطئ عند الإسكندرية وآخر فى قاع البحر المتوسط، فالمحفز الأساسى كان أن ثلث الكوكب مرشح لأن يكون محيطًا، لكن بسبب انحراف السواحل كان يتم التشكيك فى ذلك دائمًا، لذا كان السؤال الأساسى: كيف يمكن إيجاد محيطات على كواكب جافة؟ أو بشكل أبسط، عندما توجد المحيطات على كوكب ثم تختفى، ما البصمة الطبوغرافية التى تتركها هذه المحيطات؟

 كيف يختلف نهجك العلمى عن الدراسات السابقة التى اعتمدت على رسم خرائط السواحل؟

- المنهجية بشكل بسيط هى أن السواحل عبارة عن ظاهرة جيولوجية ضعيفة، وتختلف مناسيبها وأماكنها خلال عقود، لكن االرف القارىب (Continental Shelf) - الحد الذى يفصل بين اليابسة والمحيطات - يحتاج بناؤه وتغيره إلى أزمنة جيولوجية طويلة، بالتالى يكون أسهل فى تعريفه ورسمه.

 هل يمكنك أن تشرح بكلمات بسيطة ما المقصود بـ ابصمة الرف القارىب فى سياق كوكب المريخ؟

- باختصار لأن هناك انحرافًا فى الشواطئ التى تم رسمها سابقًا، فنحن نقترح نطاقًا له منحدرات منخفضة ويحتوى على رواسب ودلتاوات، مثل دلتا النيل فى مصر. هذا النطاق يتكوَّن بشكل كبير بسبب رواسب الأنهار التى تصب فى المحيط، وكذلك بسبب تغيُّر مستوى سطح البحر. وهذا النطاق يوجد بين مناسيب -3800 متر و-1800 متر.

 ما نوعية البيانات التى كانت الأكثر أهمية فى التوصل إلى استنتاجاتك؟

- أهمها البيانات الطبوغرافية وصور الأقمار الصناعية، وبعد ذلك تمت معالجتها وحساب الانحدارات لتحديد أين يوجد الرف القارى، أو كيف يبدو الرف القارى عند النظر إلى البيانات الطبوغرافية.

 ما مدى ثقتك بأن محيطًا مستقرًا وُجد ذات يوم على سطح المريخ لفترة زمنية طويلة؟

- أعتقد أن الدليل الجديد يقدم خطوة بسيطة تجاه فهمنا لقضية المحيطات على المريخ، لكن الدليل القاطع يحتاج إلى الحصول على بيانات تحت سطحية أكثر، وأعتقد أيضًا أن البحث الجديد يدعم فرضية المحيط أكثر، ويعيد تصحيح طريقة بحثنا عنه، لكنه لا يحل المشكلة بشكل جذرى.

 ما أبرز الآراء المعارضة التى يطرحها المجتمع العلمى بشأن هذا البحث، وكيف ترد عليها؟

- أكثر انتقاد علمى فى هذا السياق هو أن جزءًا كبيرًا من االرف القارىب على كوكب الأرض يحتاج إلى وجود صفائح تكتونية، لأنها تكون المساحة اللازمة لترسيب رواسب الرف القارى، لكننا نقول إن الرف الساحلى على المريخ ليس بحاجة إلى صفائح تكتونية، لأن المساحة التى تراكمت فيها رواسب الرف الساحلى كانت موجودة بسبب الفوهة التى كونت الحوض الخاص بالمحيط.

 هل يقترح نموذجك العلمى مواقع محددة على كوكب المريخ يجب أن تحظى بالأولوية فى المهمات العلمية الفضائية فى الفترة القادمة؟

- نعم، نعتقد أن المكان الذى تم اكتشاف الرف الساحلى فيه يمكن أن يكون هدفًا مهمًا، فالرف القارى على الأرض هو أكبر مستودع للرواسب، وهو النطاق الذى أعطانا معلومات عن تطور المناخ والبيئات القديمة والحياة، لذا قد يكون النطاق المشابه على المريخ مستودعًا للرواسب التى تعطينا معلومات عن تطور البيئات القديمة والمناخ. فى الحقيقة، مركبة وكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق عام 2028، وستهبط على كوكب المريخ فى عام 2030 فى مكان مقترح قد يكون رفًا ساحليًا، ونتمنى أن نعلم المزيد عن المحيطات على المريخ من خلال هذه المهمة القادمة.

ما المشاريع الكبرى الأخرى التى تعمل عليها حاليًا فى مجال جيولوجيا الكواكب؟

- أعكف حاليًا على مشروع لإعادة بناء تصور عن الأنظمة النهرية القديمة على المريخ، فى محاولة لفهم ما إذا كان هذا الكوكب قد احتوى على أنهار كبيرة بمساحة الأمازون أو النيل أو المسيسيبى.

 كيف ترى مستقبل دور تقنيات الذكاء الاصطناعى فى تحليل البيانات المتعلقة بأسطح الكواكب؟

- أعتقد أنه سيكون للذكاء الاصطناعى دور كبير فى تحليل البيانات، وتحليل بيانات أكثر بمجهود أقل، لكن المشكلة أننا سنحتاج إلى المزيد من التدريب وفهم أعمق لطبيعة الظواهر التى يجب تحليلها، ومعرفة حدود تحليل البيانات باستخدام الذكاء الاصطناعى.

 ما المشكلة العلمية الأكثر تعقيدًا التى واجهتها فى مسيرتك المهنية حتى الآن؟

- أكثر مشكلة واجهتها هى الانتقال بين بيئات مختلفة، على سبيل المثال الانتقال من مصر إلى سويسرا، ودراسة شىء مختلف قليلًا مثل الجيولوجيا بعد دراستى للجغرافيا فى مصر، ثم الانتقال الى الولايات المتحدة ودراسة علوم الفضاء بشكل أعمق، أو تطبيق فهمى للجيولوجيا فى علوم الفضاء.

 بصفتك عالمًا مصريًا يعمل فى مؤسسات أمريكية رائدة، حدثنا عن بداية رحلتك الأكاديمية؟

- أنا تخرجت فى قسم الجغرافيا بكلية الآداب جامعة الزقازيق، ثم درست الماجستير فى الجغرافيا الطبيعية بجامعة عين شمس، ثم درست الجيولوجيا فى الدكتوراة بجامعة جنيف فى سويسرا، وبعد ذلك أصبحت باحث ما بعد الدكتوراة فى جامعة اكالتكب، وحاليًا أنا باحث ما بعد الدكتوراة فى جامعة تكساس أوستن بأمريكا.

 من الذين تأثرت بهم وكانوا دافعًا لك للاهتمام بعلوم الكواكب والبحث فى أسرار المريخ؟

- فى الحقيقة أنا تاثرت كثيرًا بالدكتور فاروق الباز فى البداية، ثم بعد ذلك بالدكتور عصام حجى والدكتور محمد رامى المعرى.

 ما النصيحة التى تقدمها للباحثين المصريين الشباب الطامحين للعمل فى مجال علوم الفضاء أو الالتحاق بكبرى الجامعات العالمية؟

- أعتقد أن الشغف بالشىء أهم عامل فى البحث العلمى، فإذا كان هناك باحث يريد أن يواصل رحلته الأكاديمية فى علوم الفضاء، فعليه فعلًا أن يكون شغوفًا بها، وأن يختبر شغفه عن طريق المواظبة على التعلم، وليس مجرد الشغف فقط، أما الأمر الثانى المهم جدًا فهو المثابرة، لأن طريق البحث العلمى صعب، والمثابرة مطلوبة لتحقيق أى هدف.

 كيف تقيّم واقع البحث العلمى فى مصر حاليًا، وما المقترحات التى تراها كفيلة بتطويره؟

- البحث العلمى فى مصر يحتاج حاليًا لمزيد من الدعم المؤسسى والتمويل المستدام، حتى لا يعتمد فقط على الجهود الفردية للباحثين، كما أن وجود رؤية علمية طويلة المدى، وبنية بحثية قوية، وفرص أكبر للتعاون والتدريب، يمكن أن يساعد على تطوير البحث العلمى وزيادة تأثيره محليًا ودوليًا.

 إلى أين تتجه بوصلة أبحاثك فى السنوات المقبلة؟ وهل سنشهد توسعًا فى مشروعك البحثى الخاص بفرضية وجود محيطات قديمة على سطح الكوكب الأحمر؟

- أخطط لدراسة المياه على أجسام أخرى فى النظام الشمسى، مثل قمر تيتان، أحد أقمار كوكب زحل، والذى توجد عليه دورة هيدرولوجية وأمطار من الميثان تشكل السطح بأنهار وبحيرات وبحار، كما أخطط أيضًا لدراسة فرضية المحيط على المريخ بشكل أكبر، وسيكون ذلك مثلًا عن طريق دراسة الرواسب المتبقية من الرف المحيطى.

آخرساعة حاورت ابن جامعة الزقازيق، الباحث فى علوم الكواكب حاليًا بجامعة اتكساس أوستنب الأمريكية، حول اكتشافه الذى أحدث أصداءً عالمية واسعة، حيث تحدث عن كواليس الدراسة التى أعادت رسم خرائط المريخ، ورحلته الأكاديمية الملهمة التى انطلقت من مصر وصولًا إلى أعرق المؤسسات العلمية الـدولـيـــــة، لنستكـشــف مستقــبل البحـــث عـــن الحــيـاة لـدى جـيراننا فى الكون.

اقرأ  أيضا: لأول مرة على الإطلاق.. ناسا تنجح في تجاوز سرعة الصوت في مروحية المريخ

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة