متحف مدرسة السلام للغات
يحتفظ بذاكرة الحضارات.. متحف مجهول خلف أسوار مدرسة عتيقة بأسيوط
السبت، 20 يونيو 2026 - 03:46 ص
بعيدًا عن المسارات السياحية المعتادة وخلف أسوار مدرسة يزيد عمرها على 150 عامًا يختبئ واحد من أكثر المتاحف غرابة وإثارة فى الصعيد، ففى قلب مدينة أسيوط يقبع متحف مدرسة السلام للغات، ذلك المتحف الصغير الذى لا يعرفه كثير من أبناء المحافظة، رغم احتوائه على مئات القطع الأثرية النادرة التى توثق عصوراً متعاقبة من التاريخ المصرى، بداية من الحضارة الفرعونية مروراً بالعصـــرين اليـــــونانى والرومـــانى، ووصولاً إلى الحقبتين القبطية والإسلامية.

رغم القيمة التاريخية الكبيرة التى يمثلها المتحف، فإنه لا يزال بعيداً عن دوائر الضوء، كأن الزمن قرر أن يترك هذه الكنوز حبيسة الجدران فى انتظار من يعيد اكتشافها ويمنحها ما تستحقه من اهتمام.
لم تكن أسيوط مجرد محافظة فى قلب الصعيد، بل كانت إحدى المناطق المؤثرة فى تشكيل ملامح الحضارة المصرية القديمة فقد لعبت دوراً اقتصادياً وإدارياً مهماً عبر العصور، وكانت أقاليمها من أبرز مراكز الحكم والنفوذ فى مصر العليا.
وتكشف المواقع الأثرية المنتشرة فى قرى المحافظة مثل الهمامية ومير والمعابدة ودير الجبراوى، حجم الثقل الحضارى الذى تمتعت به المنطقة، وتضم هذه المواقع مقابر لحكام الأقاليم ومناظر تعكس تفاصيل الحياة السياسية والاجتماعية والدينية فى مصر القديمة، وفى ظل هذا الإرث الحضاري، يبدو وجود متحف أثرى داخل مدرسة أمراً استثنائياً، لكنه فى الوقت نفسه يعكس جانباً من تاريخ أسيوط الثقافى والتعليمى الممتد.
إرسالية أجنبية
تعود جذور مدرسة السلام إلى عام 1875 حين بدأت الفكرة داخل منزل أحد التجار السوريين بأسيوط، قبل أن يتبناها "جون هوك" أحد أعضاء الإرساليات الأجنبية آنذاك، الذى سافر إلى الخارج لجمع التبرعات اللازمة لإنشاء المدرسة، ومع مرور السنوات أصبحت المدرسة واحدة من أبرز المؤسسات التعليمية الأجنبية فى صعيد مصر، وارتبط اسمها لفترة طويلة بتعليم البنات، قبل أن تتحول فى عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر إلى "مدرسة العروبة" للبنين، ثم استعادت لاحقاً اسم "السلام"، لتصبح المدرسة الأم لسلسلة مدارس السلام المنتشرة فى عدد من المحافظات، لكن ما يميز المدرسة حقاً ليس تاريخها التعليمى فقط، بل ذلك المتحف الصامت الذى يحتل جزءاً من مبانيها القديمة.
سيد بك خشبة
ترجع معظم مقتنيات المتحف إلى "سيد بك خشــبة" أحد أشهر هواة جمع الآثار والتنقيب عنها فى أسيوط خلال أوائل القرن العشرين، ووفقاً للقوانين المعمول بها آنذاك كان من حق المنقب الاحتفاظ بجزء من الآثار التى يكتشفها وفى عام 1914، نجح سيد بك، بمساعدة المهندس "بلاكمان" الإنجليزى فى اكتشاف مجموعة كبيرة من القطع الأثرية، فقام بعرضها داخل متحف أقامه فى قصره بأسيوط، حضر افتتاحه المندوب السامى البريطانى وبعد سنوات، قرر إهداء مجموعته إلى متحف مدرسة السلام، لتصبح نواة المتحف الحالي.
مومياوات وأسرار

داخل قاعات المتحف الصغيرة، تتجاور عشرات القطع الأثرية التى تحمل ملامح حضارات متعاقبة، إلا أن القسم الفرعونى يظل الأكثر جذباً للانتباه فهناك مومياء كاملة لأميرة من أخميم تُدعى "حاتور مت حتب"، يعود تاريخها إلى القرن الثامن قبل الميلاد، لا تزال تحتفظ بكثير من تفاصيلها، إلى جانب مومياء أخرى لرجل من مقابر مير التابعة لحكام الإقليم الرابع عشر فى عصر الدولة الوسطى ويضم المتحف أيضاً مجموعة من تماثيل االأوشابتىب، وهى تماثيل جنائزية صغيرة كان المصرى القديم يضعها داخل المقبرة لتقوم بخدمة المتوفى فى العالم الآخر ويصل عدد هذه التماثيل إلى 365 تمثالاً، بعدد أيام السنة، فى تجسيد واضح لعقيدة المصريين القدماء حول الحياة بعد الموت كما يحتوى المتحف على أدوات تكفين كاملة، تشمل شبكة جنائزية، وأوانى حفظ الأحشاء، وأقنعة جنائزية، وجعارين مقدسة، بالإضافة إلى أختام ملكية مكتوبة باللغة الهيروغليفية وتمثال نادر للإله حورس مصنوع من حجر البازلت.
رحلة عبر العصور

ولا تتوقف مقتنيات المتحف عند الحضارة الفرعونية، بل تمتد لتشمل آثاراً قبطية ورومانية وإسلامية، فى مشهد يبدو وكأنه رحلة مصغرة عبر التاريخ المصرى ففى القسم القبطى توجد قطع من النسيج القبطى ترجع إلى القرن الرابع الميلادى، ونسخ قديمة من الكتاب المقدس وكتب الصلوات، إلى جانب شواهد قبور مكتوبة باللغة القبطية أما القسم الإسلامى، فيضم نسخة قديمة من المصحف الشريف، وشواهد قبور تعود إلى القرن الثالث الهجرى، وقطعة من كسوة الكعبة، فضلاً عن أوانٍ خزفية وقطع فنية ترجع إلى العصر العباسى والعثمانى ومن أكثر الأقسام غرابة داخل المتحف، مجموعة المقتنيات السودانية التى حصل عليها سيد بك خشبة عبر علاقاته بتجار السودان، وتشمل أسلحة قديمة ودروعاً مصنوعة من جلود الحيوانات وكراسى صغيرة على هيئة حيوانات.
كنز يحتاج لإنقاذ

ورغم ما يحتويه المتحف من قطع نادرة، فإنه يعانى ضيق المساحة وضعف الإمكانيات، فى ظل غياب قاعات عرض حديثة أو مخازن مجهزة لحفظ القطع الأثرية، مما يجعل كثيراً منها عرضة للتلف أو البقاء حبيسة الأدراج بعيداً عن أعين الزوار والباحثين.
ويؤكد الدكتور محمد أبو رحاب أستاذ الآثار بكلية الآداب جامعة أسيوط أن المتحف يحتاج إلى مشروع متكامل للتطوير والترميم، يشمل إعداد كتالوج علمى يوثق جميع مقتنياته، وتوفير بيئة مناسبة لحفظ الآثار، إضافة إلى فتحه بشكل أوسع أمام الباحثين والمهتمين بالتراث.. ومع اتجاه المحافظة لإنشاء متحف جديد داخل "قصر ألكسان" تتجدد الآمال فى إنقاذ هذه الكنوز المنسية، وإعادة تقديمها للجمهور باعتبارها جزءاً من ذاكرة أسيوط وتاريخها الحضارى الممتد عبر آلاف السنين.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
مدير مكافحة الإرهاب الأسبق: شهادتي بـ«تخابر مرسي» كانت ضد متهم هارب وليس رئيسا| حوار
أزمة الحصول على مقعد بالمدارس التجريبية.. الأهالي يخشون تحويلها لـ«يابانية» والوزارة تنفي
سوق الموت الزراعي.. «مبيدات مغشوشة» تدمر التربة والمحاصيل
الأقدم في إفريقيا| «حكاوي تروماي الرمل».. الفن يودع أيقونة الإسكندرية
د. منى فؤاد: هدفي وصول الخدمات الطبية للفئات المحرومة| حوار
«آخرساعة» تحدثت معهم في طوابير التظلمات.. شكاوى المستبعدين من بطاقات التموين
بشرى سيد: أنا أول مُحجبة تصل إلى نهائيات «ملكة جمال ألمانيا»| حوار
دعوة استثنائية من «G7» تقديرًا لدورها المحورى .. مصـــر فـــى قلــــب صناعة القرار الدولى
السيسى يبنى اقتصاد المستقبل







