الكاتب الصحفي علي فتحي
الكاتب الصحفي علي فتحي


علي فتحي يكتب: شجاعة الرئيس وحماسة "العميد".. هل نكمل البناء؟

بوابة أخبار اليوم

الأربعاء، 24 يونيو 2026 - 11:22 ص

قيل: يختبر الذهب بالنار، وتختبر النساء بالذهب ويختبر الرجال بالمواقف، وقياسا على هكذا مقاربة؛ فمعدن الرجال في مصرنا عالي النقاء والجودة في الأوقات الحاسمة والأزمات، هكذا علمتنا دروس التاريخ، بل والواقع المعاش اليومي أصدق أنباء من الكتب، فحين نتحدث عن نضال المواطن البسيط - ذكرا كان أم أنثى- مع اشتباكات ومطبات يومية للوفاء بالتزاماته المعيشية الضرورية فتلك ملحمة، ينام ليله بعدها منتصرا ولو أرهقته الجولة، يسهر للصباح يتابع منتخبه بشغف ثم يواصل المسير دون نوم ومبتسما ساعيا لكسب قوت يومه، تركيبة متفردة.

 

آمن الفراعنة بالمستقبل، وكان لديهم وعيا واعتدادا بالذات؛ وتنمية للإمكانات وللقدرات والمعرفة مع مزيج من الصبر والانضباط، فصنعوا من الإرادة حضارة وممرا للغد حتى صارت منجزاتهم المدهشة حاضرة للآن وحتى قيام الساعة، نباهي بها الأمم، فهل آتانا نبأهم وتعلم الأحفاد وعلى الدرب ساروا؟!

ما يفعله حسام حسن ورجاله حاليا في بلاد العم سام  ـ وهو سام جداـ جزء بسيط من فهمنا للدرس،  استدعاء لجينات متأصلة منذ فجر التاريخ فرأينا الفراعنة ساجدين في ملعب "فانكوفر"، مزج ما بين سحر حضارة وقوة إرادة ودين.

سريعا تعود بي الذاكرة لسنوات مضت تحمل الإجابة الواقعية على السؤال، تحديدا في عام 2014  عقب فترة اضمحلال على أصعدة عدة ولعقود متوالية، ووسط ظروف محلية وإقليمية بالغة الصعوبة والتعقيد، وقتها ربما كان الرئيس السيسي  شغوفا بقصص الأجداد وبعبقريتهم التي تتحدي الزمن، أو ربما تعلم من دروس منقوشة على أعمدة وحوائط المعابد الفرعونية، أو بارعا في استخلاص العبرة وتخطي العثرة،  غالب الظن لم يكن حرصه على صيانة وتشييد المتاحف ومثلها دور العبادة صدفة، بل إجلالا وتقديرا لبناة التاريخ وفهم عميق لأهمية روحانية وسمو الرسالات السماوية كذلك، ورغم جسامة المسئولية والمخاطرة واضطراب الاقتصاد وشح الموارد شرع برؤية ثاقبة وشجاعة نادرة في بناء الجمهورية الجديدة، إيمانا بقدرة الله، وإرادة المصريين، كتعويذة تحدي تفك طلاسم النجاح وتصلح ما أفسده الزمن وكان باهظ الثمن.

 

حلقة جديدة في سلسة الإعجاز المصري تبهر العالم الحديث، ما بين مدن أنيقة تُبنى وعشوائيات قبيحة تُهدم، بنى تحتية تتعاظم وتسترد عافيتها، طرق تُمهد بأطوال تلامس ارتفاع الحلم، خطوط نقل أوروبية الطراز مختلفة ألوانها بهجة للناظرين، مشاريع طاقة عالمية لا حصر لها، دلتا جديدة تؤمن الغذاء، مزارع سمكية، موانئ ومناطق لوجسيتية عملاقة، سياسة دولية تعيد لمصر ريادتها واحترام كاد يذبل بالأمس القريب، القائمة تطول ولا نستطيع حصرها في سطور لا تليق بعظمة ورونق الإنجاز.

الرجل فهم الدرس وهضم التاريخ، بحث عن أصل الداء ولم يكتف بالمسكنات، أجرى الجراحة بشجاعة ومنهجية علم ولم يعالجنا بالدجل والوهم، ربما يشكو مرضانا ولكن أنجع الدواء أمره كي ننعم بالشفاء.

 

الرئيس لم يغب عن خلده الثروة البشرية أيضا، وأن الأمم التى لا تعتني بأشبالها تعتل وتشيخ، والتي لا تواكب الحداثة تتخلف، فتش الرجل عن العقول سريعا، تلك التي تحمي الحضارات وتؤتمن على الثروات، يعي أن الاسثتمار في البشر هو أحد مصادر الدخل العظمى والمستدامة، نهضة تعليمية تستهدف تحويل مصر نحو اقتصاد المعرفة، مع اهتمام استثنائي بالموهوبين وما أكثرهم  في ربوعنا، برزت مشاريع قومية كبرى مثل التوسع في مدارس المتفوقين في العلوم والتكنولوجيا، تزامنت مع إطلاق مبادرة علماء المستقبل، وبرامج متخصصة لاكتشاف النابغين، ما أدى إلى تقدم مصر في مؤشر المعرفة العالمي والحصاد يتنامى والقيمة المضافة لتعداد الشعب تزدهر، فماذا عن الرياضة؟

معلوم بالضرورة أن الرياضة ليست ترفيها بل في فقه الأولويات هي منفعة تجلب عافية البدن وصحة الدماغ، استراتيجية رابحة لبناء أجيال عفية لا تهاب عدوا أو تسقط في فخاخ صيادي التطرف، أوالإدمان وموبقات الفراغ، الرياضة مشروع أمة لا يقل أهمية عما سبق من مشاريع.

 للحق "العميد" فتح شهيتنا للانتصارات والبوح معا، عميقة هي مقولة الفيلسوف الأشهر سقراط: "سر التغيير يكمن في تركيز كل طاقتك ليس في محاربة القديم، بل في بناء الجديد"، يخبرنا التاريخ إن أول مشاركة وضربة بداية لأول منتخب عربي وأفريقي في ذلك المحفل العالمي منذ تسعين عاما كانت مصرية الهوية، تبعتها 4 مشاركات فقط على مدار ما يقرب من قرن ونتائج كانت فقيرة وبعضها مخجلة، لا نحتاج  لنسيان الإخفاقات ولكن التعلم منها والبناء عليها.

تستوقفني التجربة المغربية تحديدا تلك التى جعلتها إحدى القوى الكروية الكبري  عالميا حاليا، ومن قبلها التجربة الألمانية بعد نكسة يورو ٢٠٠٠، ولكن الشقيق أولى بالالتفات إليه فهو يشبهنا أكثر .

 تجربة تستدعي التوقف أمامها واستلهامها، لا حرج أن نستورد بذورها، أقله هي أعم فائدة من سلع استفزازية تستنزف احتياطينا النقدي الأجنبي، أن نستخلص جوهرها في كل مضمار ولعبة فتلك فريضة غائبة،  بديهي أن الرياضة هي استثمار أبدي قليل التكلفة عظيم المردود، احتاجت المغرب لأقل من عقد من الزمن كي تحصد فاكهتها الكروية من أشجار غرستها  أكاديمية الملك محمد السادس لم تكلفهم سوى ١٣ مليون دولار في عام "٢٠٠٩"، الحصيلة: تنظيم كأس العالم "٢٠٣٠" مع البرتغال وإسبانيا،  هم رابع العالم في مونديال قطر وبطولة كأس العالم للشباب بحوزتهم، أبطال العرب حاليا، ٧٧٠ محترفا بالخارج وقيمة تسويقية لمنتخب أسود الأطلسي تقارب النصف مليار يورو، مكاسب تخطت المليار ونصف من بطولة أمم أفريقيا الأخيرة، بطولات قارية، أرقام قياسية وإنجازات مشرفة لرجال اللعبة ونسائها وشبابها من كرة الصالات إلى الملاعب المفتوحة، الترتيب الثامن عالميا، فماذا عنا؟ 

هل لدينا مراكز تكوين _أكاديميات _ بعيدا عن الربحية والواسطة  والتمييز في المدن والريف والنجوع؟ أين الخطط العلمية الممنهجة طويلة الأجل وقصيرها؟ خبراء التغذية، المعدين البدنيين،  بل أين الكشافون بعيونهم الراصدة لبراعم المواهب في كل محافظات مصر؟ رحم الله "عبده البقال" أشهر كشافي تاريخنا الكروي فدولاب بطولات الأهلي يحمل توقيع اكتشافاته، من يتابع أبناءنا بالخارج أيضا حيث جالياتنا تنتشر بطول المعمورة وعرضها؟ الثروات مدفونة في وادينا فأين البحث والتنقيب؟ بئر أهل الخبرة من المدربين الوطنيين لا تنضب، بحيرة المواهب متسعة وعميقة  فقط فلنلق بها حجرا.

دعونا نتذكر أن كل الانجازات الكروية لمصر عربيا وأفريقيا صاغها بالعامية الفصيحة "الجنرال" الجوهري و"المعلم" حسن شحاتة و"العميد "حسام حسن، بينما لم يفلح معنا من رطن واغترف أخضر الدولارات وهرب وأبرزهم "كوبر" بهزائمه الفضائحية في مونديال 2018، لماذا نهمش كفاءات وطنية ونشعرها بالدونية في الوقت الذي استعانت المملكة الأردنية بالراحل الجوهري للتخطيط لمستقبلها الكروي الذى أوصلها لما بعد أحلامها بكثير حاليا؟ لما نستهين بقطاعات الناشئين في الأندية ونرمي لهم فتات الميزانيات وأشباه المدربين؟ لماذا غاب دوري المدارس ومنافسات مراكز الشباب؟ 

نفتح المزاد والخزائن فقط لأنصاف اللاعبين سواء من الأجانب أو المحليين بالفريق الأول، عندما أفلس الزمالك تقريبا وكاد يغرق هذا العام لم ينقذه سوى ناشئوه ومديره الفني المصري فصنعوا المستحيل وحصدوا الدرع و الجزاء الآن للرجل هو البحث عن "كوتش" جديد يتحدث البرتغالية أو الإنجليزي، حقا لا كرامة لنبي في وطنه!

القيادة السياسية كانت أكثر وعيا ورؤية حينما دعمت المدرب الوطني بدلا من إهدار الملايين على "عواطلية" مدربي أوروبا وغيرها،فكسبت الرهان في أميركا، ولكن هل تعلم القيادة أن المدير الفني لمنتخبنا لم يوقع عقدا قد انتهى منذ أشهر؟ يوما ما تساءل الرئيس مستنكرا لماذا لا يوجد لدينا ألف محمد صلاح؟ لديه كل الحق ولديه رؤية أيضا  فمحترف واحد رفع إسم بلده عالميا ونفاخر به الأمم ويحطم الأرقام القياسية في عقر دار من صنعوا الكرة وأصبح أحد أقوى قوتنا الناعمة.. سأل الرئيس وقتها ولكن الصمت لف المكان ولم نجد إجابة حتى الآن. 

غالبية الفرق الأفريقية لديها مئات المحترفين، صدروهم صغارا فأثمروا وعادوا لصناعة مجد معنوي ومادي لأوطانهم، قوى ناعمة تتوغل في أوروبا ويتم صقل مواهبهم الفطرية بصرامة ونظام، لكننا نجيد صنع العراقيل لناشئينا متى جاءتهم عقود الاحتراف أو المعايشة، الأعجب عاصفة الانتقاد للعميد متى استعان بسفيرنا لدى برشلونة "حمزة عبد الكريم" بحجة صغر سنه، بينما الرجل يتمتم غاضبا وهو يتابع "يامين لامال": عد غنمك يا حجا! عندي اتنين محترفين وربع!  ولديه كل الحق قياسا بما تمتلكه السنغال والمغرب والجزائر ونيجيريا وغانا مثلا.

 

فوزنا مؤخرا على نيوزيلندا وأخر ضائع في مقابلة بلجيكا، وتأهلنا شبه المؤكد للدور التالي،لا ينبغي أن يكون عابرا وحماسيا ونهاية المطاف، بل بداية جديدة لخلق قاعدة كروية مؤسسية تصنع تاريخا، هرمنا ونحن نردد جملة "التمثيل مشرف" ، نستحق ما هو أكبر من لحظات من الفرح الهيستيري لفوز يتيم، الشعب المصري ينسى كل همومه وأوجاعه أمام عشقه للكرة وحفلات أم كلثوم وإذاعة القرأن الكريم، فتلك هويتنا المتأصلة، متعتنا المجانية،  أضف إليها كرهنا لإسرائيل.

ربما تم طرح الفكرة إعلاميا من قبل بشكل أحسبه على سبيل "الشو" والترفيه، حينما جاءنا برنامج "الكابيتانو" الذي أنتجته شركة المتحدة منذ سنوات، وكنت اعتبره ومثلي كثيرين بداية  لاستشراف الغد، وعودة لاكتشاف المواهب، لكن خاب الظن، حقا منذ متى والترفيه وحده يؤسس لصناعات بشكلها العملي؟ هو فقط يشير لمواطن الضعف والخلل لا أكثر، نحن هنا نتحدث عن صناعة ومشروع قومي له خطط وأدوات مختلفة وخبراء واستشاريون وأهل علم وقرار وموارد.

 منجم الفراعنة لا يخلو من المعادن النفيسة في كل المجالات، هي فقط تنتظر من يمسح عنها الغبار، من يفك طلاسمها ويقرأها بعناية، الصغار والشباب أغلبية في المجتمع فهل اكتفوا بالفرجة والتصقوا بمقاعد المقاهي والكافيهات للتشجيع فقط؟

التعليم في الصغر  كالنقش على الحجر يثبت ويدوم، أسرار النجاحات نقشها أبو سمبل وتوت عنخ أمون ورفاقهم في معابدهم، الجمهورية الجديدة أمام ناظريكم، فلا تفوتوا الدرس، ودعونا نكمل البناء حيث "ثورة يونيو" ما زالت تلهمنا.

 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة