د. حسام عبدالغفار
نبض الصحة
د. حسام عبدالغفار يكتب: حين يرتدى الوهمُ ثوبَ الرحمة
الجمعة، 05 يونيو 2026 - 08:00 م
هنالك كلام أخطر من الخطأ الصريح: كلامٌ يُصدَّق كله لأن نصفه صحيح، ويتخفَّى في صورة العقل والشفقة، حتى يصبح نقده هجومًا على الرحمة ذاتها. في الطب، حيث الأمر أرواح لا آراء، قد يكون هذا الكلام الرحيم أقصر طريق إلى القبر.
تبدأ المغالطة بـ: «وماذا نخسر لو جربنا؟». والجواب أن الخسارة ليست مالًا بل أعمارًا. فمرضى السرطان الذين بدؤوا بعلاجات بديلة كانوا أكثر عرضة للموت بخمسة أضعاف. القاتل لم يكن العشبة، بل تأجيل العلاج الحقيقي. جملة «اترك دواءك» تحوّل الأمل إلى سم بطيء.
ثم تأتي: «ما دامت نسب الشفاء ضعيفة، فما الضير في بارقة أمل؟». وهذا مبني على صورة قديمة للسرطان. فاليوم، نسبة البقاء لسرطان الدم عند الأطفال تزيد على 92%، وسرطان الخصية يتجاوز 95%، والثدي المبكر 99%. هذه الأرقام انتُزعت بالبحث المنضبط، لا بالوهم.
والمغالطة الأخطر: «ولو صدقت رواية واحد من مئة، ألا تستحق التفكير؟». هذا انحياز الناجين: نسمع صوت من نجا، ويبتلع التراب صوت الأغلبية. لا قرار طبّي يُبنى على 1% أمام ضرر مؤكد.
أما دعوى أن الجامعات تدرس الصيام، فصحيحة لكنها تدرسه رديفًا للعلاج لا بديلًا. الغذاء خادم، لا سيد.
يبقى أن أخطر هذه الآراء أنها تأتي بثوب الشفقة فتستدرج إلى الهاوية. فالرجاء يمشي مع البرهان فيطيل العمر، والوهم يسبقه فيقصره. والرحمة الحقيقية ليست أن نهدي اليائس كذبة جميلة، بل أن نحرسه منها. ولكل أجل كتاب لكن ما كان لأحد أن يُعجّل الكتاب بوعد لا سند له.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة










تحت أول ضوء شمس
تصحيح أفكار خاطئة
عقبال بقية مارينا
فتحى سند يكتب: لا مؤاخذة!
عمران المدن الجديدة استراتيجية واجبة
عودة الروح لشوارع القاهرة
دبلوماسية الموقف المشترك
الأمن القومى العربى
«الكدب مالوش رجلين»