الشدياق
الشدياق


تعرية الكلمات: الشدياق وطريقة استخدام اللغة فى فترة النهضة العربية

أخبار الأدب

الإثنين، 02 نوفمبر 2020 - 07:51 م

توجرول ميندى
ترجمة: نصر عبد الرحمن

فى كتابه «الساق على الساق فيما هو الفارياق»، يستخدم أحمد فارس الشدياق الكثير من المترادفات لوصف الأشياء. تجد أكثر من 600 كلمة مقسمة إلى خمس فئات تتعلق بالرغبات المادية المرتبطة بالنساء. هذه الفئات المختلفة التى تصف عناصر من حياة بطل الرواية، الفارياق وزوجته هى وسيلة لانتقاد الظروف الاجتماعية والثقافية فى عصر النهضة العربية فى القرن التاسع عشر. فى كتاب الشدياق، توجد قوائم كلمات مختلفة تركز على الجنس، ولذة الأنثى، وطريقة استخدام اللغة. فى حين أن الكتاب ذو ميول معجمية، إلا أنه يخبرنا الكثير عن الطرق التى يفكر بها الناس عندما يستخدمون كلمات بعينها، على نحو مختلف عن استخدام اللغة العربية الفصحى فى حقبة ما قبل النهضة. يمكن قراءة كتاب الشدياق باعتباره مُعجم مفردات،إلا أنه أكثر تعقيدًا وتنوعًا من ذلك بكثير.


فى كتابه: «تعرية الكلمات: قوائم الشدياق الفكرية كنقد ثقافى واجتماعى فى القرن التاسع عشر» (2019)، يدرس الباحث الألمانى كريستيان يونجه الكلمات وطريقة استخدام اللغة فى عصر النهضة العربية فى القرن التاسع عشر. من خلال دراسة «الساق على الساق»، يضع يونجه نفسه فى جيل جديد من الباحثين الغربيين الذين يعيدون فحص الشخصيات الرئيسية فى تلك المرحلة المحورية من التاريخ العربي. وفى هذه الدراسة، يتعمق يونجه فى مدى التعقيد اللغوى والأدبى لهذا العمل من خلال التركيز على أفكاره الرئيسية.


لا توجد ترجمة كاملة لهذا الكتاب باللغة الألمانية،إلا أن يونجه ترجم أجزاءً منه فى دراسته. وهناك ترجمات كاملة إلى الفرنسية والإنجليزية. صدرت الترجمة الكاملة الأولى بالفرنسية فى عام 1991 للمترجم رينيه خوام (1917-2004)، لكن يونجه يعترف بجودة الترجمة الإنجليزية، الصادرة عام 2014 للمترجم همفرى ديفيز، لاكتمالها ودقتها. يترجم يونجه أجزاء كثيرة من الكتاب لدراسته، لكنه لا يخجل من استخدام النسخة الإنجليزية، التى اعتمد عليها أحيانًا فى دراسته. كما حظيت كتابات إدوارد سعيد (1935-2003) بمكانة خاصة فى دراسة يونجه، فى محاولة للتأكيد على دور فقه اللغة واللغة وتبرير الحاجة إلى دراسة كتاب الشدياق من خلال هذا المنظور. قال سعيد فى كتابه «النزعة الإنسانية والنقد الديمقراطي»: «الكلمات ليست علامات أو دلالات سلبية، تقف فى موقف متواضع من أجل حقيقة أعلى؛ بل هى جزء لا يتجزأ من الواقع نفسه ».  فى الواقع، يعتبر بحث يونجه جزءًا من توسع آفاق وانفتاح الدراسات اللغوية.


باستخدام الدراسات الأدبية والدراسات الثقافية كأساس لفهم «الساق على الساق»، يشرح يونجه فى سبعة فصول سبب أهمية القوائم الأدبية المدرجة فى هذا العمل لفهم السياق والوقت اللذين عاش فيهما الشدياق. وللخروج من إطاره النظرى والمنهجى لفهم عمل الشدياق، يشرح لنا يونجه وجهة نظره فى كيفية قراءة قوائم الكلمات الأدبية تلك.


كيف تقرأ حياة الشدياق
يصف يونجه الشدياق بأنه من الشخصيات المؤثرة الرئيسية التى كتبت لجمهور يقرأ اللغة العربية من أوروبا إلى اسطنبول ومالطا وأماكن أخرى، ويحتل مكانة خاصة بسبب كتاباته وبسبب تجاربه الحياتية. يصفه كذلك بأنه مهاجر عربى أوروبى ينتمى إلى المثقفين السوريين اللبنانيين دون أن يعيش بينهم. كتب الشدياق لجمهور من الناطقين باللغة العربية الفصحى، والذين انفصلوا عنها لفترة طويلة من الزمن. لقد كان دخيلًا ومن الداخل فى الوقت نفسه، يكتب عن القضايا الأساسية الرئيسية المتعلقة بالمناقشات المركزية للنهضة العربية. ويصفه يونجه بأنه «خبير متمرد»، ويوضح أن حياته كانت مليئة بالرغبة فى فهم اللغة،وفهم دينه الشخصى فى نفس الوقت، بعد أن تحول دينيًا عدة مرات.


كان يبدو دخيلًا على بيئة النهضة العربية أحياًنا، إلا أنه كان خبيرًا فى أفكارها ويُعد شخصية رئيسية فى هذه الفترة. يغوص يونجه فى أعماق الحياة المعقدة والمتنوعة للشدياق، وكيف كان من الصعب عليه أن يعيش حياة كريمة فى أوروبا. ومع ذلك، من خلال استخدام الدعاية الصحيحة، تمكن من الإعلان عن كتاب «الساق على الساق» لجمهور عريض من القراء الناطقين باللغة العربية. انتشر الكتاب بين علماء النهضة والباحثين المعاصرين على حد سواء.


ماذا تعنى «تعرية الكلمات»؟
فى عام 1995، نشر فواز طرابلسى وعزيز العظمة مختارات الشدياق، وكتبا عن أفكاره وأشارا إلى أن الشدياق يقوم بتعرية اللغة أو تجريدها،دون تحديد بالضبط لما يقصدانه بهذا المصطلح. لقد توسع يونجه فى استخدام المصطلح، وصنع فهمه الخاص ليس فقط باستخدام اللغة، ولكن بالتركيز على الكلمات، وما يعنيه مصطلح «تعرية الكلمات». لقد رجع إلى كتابات:رضوى عاشور، وين تشين أويانج، وجيفرى ساكس، وطارق العريس، ونادية بوعلي، وآخرين فى بحثه لحياة الشدياق وكتابه. تعرية الكلمات هى طريقة يمكن من خلالها التفكير فى الكلمات واللغات، وعلاقتها بالسياق المحدد الذى يتم تقديمها فيه.


هناك قائمة كلمات من قوائم الشدياق، تصف العناصر المثيرة للمرأة.تأتى هذه القائمة من السؤال الذى طرحه الزوج، كيف يمكن أن تكون لذة الإناث أكبر من لذة الذكور. تُظهر حجج الفارياق، التى ترشدها الكلمات، أن للمرأة الحق فى نفس الرغبات مثل الرجل. ومن خلال هذه القراءة، يستنتج يونجه أن الفارياق يطالب بحق المرأة فى اللذة، وهو ما لا يعنى فقط الرغبة الجنسية، ولكن أيضًا الرغبات الاجتماعية والثقافية -وبالتالى أيضًا الملذات اللغوية. تحرر المرأة هنا لا يعنى فقط حصولها على المعرفة، ولكن على حقها فى اللذة. المرأة هنا ليست موضوعًا المتعة، بل ساعٍ للحصول عليها.


من خلال مفهوم «تعرية الكلمات»، يقرأ كريستيان يونجه الكتاب على أنه نقد أكبر. يركز بشكل خاص على ثلاث قضايا رئيسية هي: الجنس واللذة واللغة. كانت اللغة على وجه الخصوص قضية أساسية فى أعمال الشدياق. الجانب الفريد من دراسة يونجه هو كيف يقرأ هذه القوائم اللغوية كشكل من أشكال النقد وكطريقة لفهم السياق المعيشى لمؤلفها. يحاول الكتاب شرح العالم من خلال هذه القوائم والتعليق عليها باستخدام مصطلحات محددة. وباستخدام عدسة اللغة والقوائم الأدبية على وجه الخصوص، يفحص يونجه كيف ناقش «الساق على الساق» دور المرأة والجنس واللذة واللغة من أجل تقديم نقد اجتماعى ثقافى لعصره. لا تعتمد عملية «تعرية الكلمات» على طريقة أو نظرية واحدة فقط، بل هى مزيج من عدة طرق. بالعودة إلى فيكتور سكلوفسكيج (1893-1984)، حدد يونجه ثلاث خصائص أساسية لهذه القوائم الأدبية، وهي: السخرية والتباين والمبالغة.


ومن الشخصيات الرئيسية فى العمل زوجة الفارياق، الفارياقية. إنها تُجسد الجدل حول «المرأة الجديدة» فى تلك الحقبة. إن الكلمات التى تصف تصرفات الفارياقية، وما يمكن أن تنسب إليها المجازات،هى طريقة لانتقاد السلوك الذكوري. تحتوى القائمة الأطول على حوالى 1000 كلمة تصف الجوانب الإيجابية للمرأة. ويكتب كريستيان يونجه موضحًا:
«بهذا المنطق، لا تهدف القوائم الطويلة للكلمات إلى الإفراط فى المادية، بل تهدف إلى وضع تصور جيد للغاية عن المرأة. فالمرأة قادرة على صنع مجموعة متنوعة من التصورات، ولديها حدة فى التفكير تجعلها تتفوق على الرجل غالبًا، وبالتالى تجعل للمرأة سلطة نقدية لا غنى عنها: المرأة تدرك الأشياء التى لا يستطيع الرجل استيعابها». (ص 128)


فى الأساس، يرى يونجه أن هدف القوائم الطويلة للكلمات ليس التركيز على الرغبات المادية للمرأة، بل على كيفية تفكير النساء بشكل مختلف عن الرجال، وكيف استوعبت النساء غالبًا أشياء لا يستطيع الرجال فهمها.


طريقة جديدة للبحث فى «الساق على الساق»
هناك دراسات حول الكتاب فى العديد من اللغات الأوروبية، وكذلك باللغات التركية والصينية وغيرهما. ولا تزال شعبيته قوية فى العالم الأكاديمى وأيضًا فى العالم الأدبى الناطق بالإنجليزية، منذ إصدار الترجمة الإنجليزية للمترجم همفرى ديفيز. وعلى الرغم من وجود الكثير من الدراسات حول أعمال الشدياق باللغة الإنجليزية، إلا أنها قليلة باللغة الألمانية. ولهذا تبرز أهمية دراسة يونجه، وباعتبارها إلقاء ضوء ضرورى على مهارات الشدياق اللغوية كطريقة للانفتاح على الجوانب الاجتماعية والثقافية والسياسية لكتابه. ومن خلال تعرية الكلمات، يسهم يونجه فى تسهيل مهمة القارئ فى التعامل مع تعقيد «الساق على الساق»، وكذلك لفهم كيفية استخدام الكلمات واللغة فى عصر النهضة العربية فى القرن التاسع عشر..


*توجرول ميندي: حاصل على ماجستير فى الدراسات العربية من جامعة لايبزيج الألمانية. يعمل فى برلين كمنسق مشروعات وباحث مستقل.
*يُنشَر المقال بإذن خاص من كاتبه ومن مدونة الأدب العربى باللغة الإنجليزية «Arablit»، التى نشرته بالإنجليزية.

 

 

الكلمات الدالة

 
 

 

 

 

 
 
 
 


 

مشاركة