داليا جمال
داليا جمال


أما قبل

فى حضرة صاحب الهيبة

داليا جمال

الجمعة، 09 يناير 2026 - 08:50 م

فى حضوره طمأنينة، وفى كلماته شفاء، وفى مواقفه رسالة واضحة مفادها أن الدين إذا تجرد من الرحمة فقد جوهره، وأن العالم ما زال بخير ما دام فيه رجال يقدّمون الإنسانية والحكمة بدلًا من الضجيج.

حين يتحدث فضيلة الإمام الأكبر، لا تخرج الكلمات من حنجرة عالم دين، بل من قلبٍ إنسان، يؤمن بأن أعظم ما يمكن أن يقدمه الدين للبشر هو الطمأنينة والسلام.

الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب رجل لم يطلب الأضواء، لكنها تأتيه احترامًا، ولم يسع للزعامة، لكنها تلتف حوله ثقةً فى نقائه وحكمته، هو رجل دولة بعمامة عالم، وضمير أمة فى زمن الالتباس، يعرف متى يتكلم، ومتى يصمت، فلا يجعل من الدين منصة استعراض، ولا يسمح أن يتحول الخطاب الدينى إلى وقود للانقسام أو مادة للمزايدة.

وتلك هى الهيبة التى لا تُصنع بالصوت العالى ولا بالسطوة، بل تنبع من العلم والانحياز للحق. هيبة الإمام الأكبر ليست مفروضة، بل مكتسبة، تتسلل إلى القلوب قبل أن تستقر فى العقول، لأن صاحبها لم يساوم يومًا على القيم، ولم يتلون وفق مزاج اللحظة.

فى زمن اختلطت فيه المفاهيم، وبات فيه التطرف أكثر ضجيجًا من الحكمة، وقف شيخ الأزهر فى المنتصف الصعب، لا ينحاز إلى إفراط ولا يبرر تفريطًا. قدّم نموذجًا نادرًا للعالم الذى يحمى الثوابت دون أن يغلق أبواب الاجتهاد، ويصون النص دون أن يعادى العقل، فصار مرجعية للاتزان حين تميل الكفة.

وتتجلى إنسانية الدكتور أحمد الطيب فى مواقفه قبل كلماته؛ فى انحيازه الدائم للمظلوم، ورفضه القاطع لاستباحة الدم تحت أى شعار، أدان العنف بلا مواربة، وبكى على ضحايا الحروب بصدق العالم لا بحسابات السياسة، فبدا صوته مختلفًا فى عالم اعتاد ازدواجية المعايير.
وعندما مدّ يده للحوار مع الآخر، لم يكن ذلك بحثًا عن صورة أو مجدٍ شخصى، بل إيمانًا بأن الأديان جاءت لتصون الحياة لا لتصادرها، ولتقيم جسور الفهم لا متاريس الكراهية. فى عهده، استعاد الأزهر حضوره العالمى كمنارة للعقل، وملاذ للاعتدال، ومأوى لكل من ضل طريقه بين التطرف والإنكار.

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة