نهر النيل
نهر النيل


النيل هبة الطبيعة الكبرى لمصر

محمد رمضان

الخميس، 22 يناير 2026 - 09:58 م

يقول الكاتب والباحث النرويجى «تارييه تفايت» فى كتابه «النيل نهر التاريخ» الذى ترجمته منة الخازندار، إن النيل لم يكن نهرًا ثابتًا فى تاريخه الجيولوجي، بل مرت عليه مراحل تطورية غير تقليدية، فهذا النهر دائم الجريان هو نتاج مجموعة من العمليات الجيولوجية الحديثة نسبيًا التى ترجع إلى ما بين 15 ألفًا و25 ألف عام مضت، عندما تجتمع المياه النابعة من بحيرة فيكتوريا وتلك المتدفقة من إثيوبيا، تتقابل جميعًا فى النيل الأبيض والنيل الأزرق حاليًا فى الخرطوم، ولهذا يعد النيل على صورته الحالية نهرًا حديث العهد منح الحياة لحضارات شديدة القدم.

اقر أ أيضًا | سوهاج تسيطر على بقعة السولار المتسربة بمياه النيل وإعادة تشغيل محطة السكساكا السطحية



لا نشعر بقيمة المياه حقًا إلا بعد المرور أمام بئر جافة فى شدة العطش أو توقف إمدادات المياه المحلية الحديثة بشكل مؤقت لذلك يحتاج المرء إلى فهم ما كان يمكن أن يكون عليه بلد كمصر دون النيل، ليتبين أهمية هذا النهر لتلك البلاد.

ظل النيل المُعلم الأعظم عندما يتعلق الأمر بفهم الطبيعة وطرح الأسئلة الكبرى، فقد شكل النهر الخبرات البشرية الملائمة لرسائل الآلهة التى تنطلق ما إن تجد الأرض الخصبة لها.

وعملت جغرافيا النيل الرسابية على غموض النيل الأبدى كونه مبشرًا بالحياة ومنذرًا بالموت، وكونه مصدرًا للرى والإثمار ومصدرًا للفيضانات المدمرة والقحط نتيجة انخفاض منسوبه، على صياغة مفاهيم الموت والحياة بشكل طبيعي.

ويشير الكاتب أن «محمد على» أول حاكم لمصر الحديثة يهتم بنهر النيل ويقدر أهميته، فقد بدأ بتدشين ترعة المحمودية التى تصل النيل بالإسكندرية عام ١٨١٨، وقام ببناء القناطر الخيرية التى ساهمت فى زيادة الرقعة الزراعية بمليون فدان.

ونظم « محمد على» رحلة زرافة من مدينة سنار شرق السودان عبر النيل إلى الإسكندرية ثم أوروبا، وكان فى استقبالها فى مارسيليا ٣٠ ألف فرنسى.

وجاء الروائى الشهير» فلوبير» الفرنسى ليزور مصر ويركب سفينته فى النيل، وبعد عقدين فى عام ١٨٦٩ جاء « إبسن» المسرحى النرويجى الشهير إلى مصر ضمن الوفد الرسمى الممثل للسويد والنرويج فى افتتاح قناة السويس وركب سفينة حتى وصل إلى النوبة يصحبه الخديو إسماعيل وكتب كثيرًا عن الرحلة وعن مصر.

ويوجد مقياس النيل فى طرف جزيرة الروضة وبه حجر باليرمو الذى يعود إلى ٢٥ قرنًا قبل الميلاد. والآن لا تستخدم المقاييس الكبيرة، وهناك وسائل أكثر حداثة لقياس الفيضان.

ويقول إن شكسبير ذكر مقياس النيل على لسان « مارك أنطونيو» فى مسرحيته الشهيرة. ووقعت مصر بمساعدة بريطانيا اتفاقية ١٩٢٩ فأصبح لمصر حصة من مياه النيل ولها حق الاعتراض على أى مشروعات تقام على مجرى النيل.

ينتقل المؤلف إلى تاريخ السد العالى وتفاصيل المشاكل حول تمويله. وتحدث عن الفوائد العظيمة للسد وأيضًا بعض العيوب والمضار. وانتقل إلى نجيب محفوظ وروايته ثرثرة فوق النيل.

السياحة على النيل بدأت كأحد أهم أنواع السياحة فى العالم وأول شركة سياحة فى العالم توماس بدأت العمل على النيل فى عام ١٨٧٥.

وأظهرت متون الأهرامات أن العبور من ضفة النيل الشرقية إلى ضفته الغربية يمثل العبور من الحياة الدنيا إلى العالم الآخر بالنسبة إلى قدماء المصريين.

فالضفة الشرقية تمثل الحياة الاجتماعية والحياة الدنيا. ويستطيع ملوك قدماء المصريين أن يُبعَثوا من الموت من خلال نقلهم إلى ضفة النيل الغربية فور موتهم.

لذلك، نجد أن الأهرامات - التى ما هى إلا مقابر هائلة الحجم فى المقام الأول - تقع بالجانب الغربى للنيل، فعبور النيل إلى جهة الغرب بعد الموت على الفور، يجعل حلول الروح فى الجسد مرة أخرى ممكنًا.

إن الاعتقاد بأن النيل ينبع من العالم الآخر حيث ساد الموت هو مثال آخر على الطريقة التى يظهر بها علم الكونيات المصرى عالم قدماء المصريين الإيكولوجى والبيئي.

لقد تشكل العالم من خلال تناقضات واضحة: كالتناقض بين جفاف النيل وفيضانه، بين الصحراء والحضارة، بين النور والظلام، بين ضفة وأخرى، بين نيل الدنيا والنيل المقدس النابع من العالم الآخر.

رحلة فى قلب الصحراء

يبلغ طول نهر النيل أكثر من 6800 كيلومتر، وإذا مددته وحولت مساره تجاه أوروبا، متخذًا من القاهرة نقطة انطلاقه المحورية، فسيتدفق النهر عابرًا البحر المتوسط ومنتشرًا بكل ربوع أوروبا وصولاً إلى الشمال الأقصى، متجاوزًا أبعد نقطة فى شمال النرويج.

وتغطى منطقة الترسيب النهرى مساحة 3 ملايين كيلومتر مربع، وهو ما يعادل عشر مساحة القارة الإفريقية بأسرها، أو ما يعادل ما هو أكبر من مساحة فرنسا ست مرات. وتتشارك 11 دولة فى مجرى النيل، وطور قرابة الألف من فصائل الشعوب المختلفة ثقافاتهم ومجتمعاتهم المتنوعة على ضفافه.

ونظرًا إلى حجم النيل وتنوعه المناخى والطبوغرافى والنباتى والحيوانى وتنوع التشكيلات الاجتماعية المنتشرة على ضفافة، تُعد منطقة وادى النيل خارج أى مقارنة، فهى المنطقة الأكثر تنوعًا وتأثيرًا على جميع مناطق الأنهار الكبرى، سواء فيما يتعلق بالطبيعة أو العلاقات الاجتماعية.

وتخضع الأهمية السياسية الفائقة للنهر إلى تناقض قاسٍ.. فعلى الرغم من اتساع مجرى النيل بطول غير مسبوق، فإن النيل يحمل مياها قليلة للغاية. فقد ثبت متوسط إنتاجه المائى سنويًا عند 84 مليار متر مكعب، وفقًا للقياس الذى يخضع له النيل فى أسوان بمصر. وهذا قدر غير وفير من المياه - فهو يمثل ما يقرب من 12٪ من إنتاجية نهر اليانجستى الذى يعرف فى الصين بنهر تشانج يانج، وما يقرب من 6٪ من إنتاجية نهر الكونغو وقرابة الـ1٪ فقط من متوسط كمية المياه التى يصبها نهر الأمازون سنويًا فى البحر.

ولعل السبب فى ذلك أن أحد أهم سمات نهر النيل أن أجزاءً كثيرة منه تمتد خلال منطقة لا تتعرض أبدًا لسقوط أمطار. ففى صعيد مصر تراوحت كمية المياه المتدفقة طبيعيًا بين 80 و90 مليار متر مكعب سنويًا.

مع ذلك فقد شهدت كمية المياه انخفاضا خلال العقود الأخيرة، بسبب تبخر ما يقرب من 10٪ من مياه الفيضانات والأمطار المتدفقة إلى البحيرات الاصطناعية الكبرى فى صحراء النوبة.

ولا يحظى النيل بأى مياه جديدة تضخ فى مجراه خلال رحلته التى يبلغ طولها قرابة 2700 كيلومتر خلال واحدة من أكثر مناطق العالم جفافًا وحرارة. فلا يوجد نهر فى العالم يقطع كل تلك المسافة الشاسعة خلال الصحراء دون تلقى تدفقات مائية من مصادر أخرى تعزز من كمية المياه السارية فى مجراه.

إن رحلة النيل الطويلة والدائمة فى الصحراء فريدة من نوعها، فعلى طول مجراه، يندمج نظامان نهريان متميزان لهما حالات هيدرولوجية ومناخية مختلفة تمامًا عن بعضهما. النيل الأزرق والنيل الأبيض اللذان يلتقيان فى مدينة الخرطوم.

هنا تحدث عملية هيدرولوجية استثنائية، وهذه العملية يمكنها كذلك أن تفسر لماذا يعد هو الرافد الأهم لمصر على مر التاريخ حتى عام 1971 (تاريخ افتتاح السد العالي)، ففى فصل الخريف يمتلئ النيل الأزرق بالمياه ويعمل كحاجز طبيعى يحفظ المياه فى النيل الأبيض الأصغر وذى قوة الجريان الأقل، وبينما يبدأ منسوب المياه فى النيل الأزرق فى الانخفاض تدريجيًا طوال فصل الربيع تجرى المياه المحتجزة من النيل الأبيض إلى مصر ومنذ آلاف السنين كانت هذه الظاهرة سببًا فى جعل الحياة والزراعة ممكنة فى فصل الصيف.

يتدفق النيل الأزرق لمسافة 2500 كيلومتر من منبعه المقدس من بحيرة تانا الصغيرة التى تقع على المرتفعات الإثيوبية، قبل أن يصل إلى مدينة الخرطوم، ويكمل النيل الأزرق، بالإضافة إلى الروافد الأخرى التى تُجمِّع مياه الأمطار فى إثيوبيا كرافد عطبرة ورافد السوباط، لتمثل جميعًا ما يقارب 90٪ من إجمالى المياه الجارية فى النيل.

وفى أثناء فصل الخريف فى موسم الفيضان، يكون النيل الأزرق هو الرافد المهيمن بشكل كامل، فهو وحده مسئول عن تغذية النيل بما يقرب من 80٪ من الماء المتدفق إلى مصر. بالرغم من ذلك تعانى هذه الروافد المذكورة التى تزود مجرى النيل الرئيسى بالمياه من تغيرات مأساوية موسميًا، فرافد عطبرة يكاد يكون جافًا تمامًا خلال فصل الصيف فى حين يضخ النيل الأزرق ما يقرب من 90٪ من إجمالى كمية مائه السنوية فى فصل الخريف الممتد إلى ثلاثة أشهر.

أما النيل الأبيض، فهو رافد مختلف تمامًا، إذ إنه يتدفق من مدينة الخرطوم حتى أقصى نقطة بجنوب المستنقعات ـ وهى مسافة تقدر بحوالى 1800 كيلومتر ـ وينحدر بمقدار متر واحد لكل 24 كيلومترًا.

وتجرى مياهه طوال العام بشكل أقل تفاوتًا من النيل الأزرق، ولا توجد روافد تغذيه بالمياه على طول المسافة الممتدة بين مدينة الخرطوم ومدينة ملكال ثم من جهة الشرق ينحدر رافد السوباط أو بارو ـ كما يُطلق على منبعه فى إثيوبيا ـ ويبتلع فى طريقه العديد من الفروع الأصغر حجمًا.

وعند هذه النقطة ينحرف مجرى النهر الرئيسى بشدة تجاه الغرب ويتدفق من بحيرة «نو» وهى بحيرة شاسعة الاتساع تقع فى مصب واحدة من أكبر مناطق المستنقعات فى العالم.

تمثل هذه المستنقعات الظاهرة الهيدرولوجية الأكثر إذهالًا فيما يتعلق بالنيل الأبيض، وهى ظاهرة ذات أهمية اقتصادية وسياسية عظيمة: فإن نحو 50٪ من المياه الموجودة فى بحر الجبل، كما يُعرف النيل الأبيض فى هذه المنطقة ـ لا تصل إلى مدينة الخرطوم ولا إلى مصر.

تبدأ منطقة المستنقعات على بعد عدة أميال من شمال مدينة جوبا، عاصمة جنوب السودان وقد أضحى بحر الجبل (المنطقة التى ينبع منها النيل وسط إفريقيا) كتلة مائية عملاقة تنساب ببطء على سهول جنوب السودان، يمتد بحر الجبل فى جميع الاتجاهات، ويتغير حجمه وفقًا لفصول السنة وتدفق المياه فى النيل. ولا تصل الروافد الكبرى التى تقع فى جنوب السودان إلى النيل الأبيض أبدًا بل ينتهى بها المطاف فى المستنقعات.

وبفضل كتاب «هيروودوت»، نعلم أنه فى عصره، كانت هناك ثلاثة روافد تقع على بُعد 5-15 كيلومترًا شرق الإسكندرية، فى حين يوجد اليوم رافد واحد فقط.

كانت هناك أيضًا أربعة روافد فرعية، السابسى والتبيسى والبوليكولى والبوليبيتي، كما وُصِفَ الرافدان الأخيران كفرعين صناعيين جزئيًا، أو استُحدِثَا من خلال تدخل الإنسان أو بتأثير منه.

أزمة المصب

إذا كنت تقف بين أعمدة المعبد الذى خُصص لعبادة «إلهة الفيضان» فى جزيرة إلفنتين، الموجودة فى وسط النيل، مباشرة أمام فندق كتراكت العريق الذى شُيد على الطراز الإنجليزى وطابعه إبان الاحتلال البريطانى لمصر، بمناسبة حفل افتتاح سد أسوان عام1902، ستجد أن الفندق يبدو كما لو كان يحتفى بإلهة الفيضان الإغريقية الرومانية.

من موقعى هذا فى وسط النيل - يقول مؤلف الكتاب-كان من اليسير استيعاب تصاعد أزمة مياه النيل فى مصر، دولة المصب. إذا ما وجهت ناظريك جنوب المعبد، حيث تلسع الشمس بلهيبها على مدار اليوم الوجوه، وتسطع فى سماء بلا سحب، سترى كيف تتداخل الصحراء مع الضفة الغربية للنيل وكيف أن منحدرات الجرانيت الطويلة القاحلة الموجودة على الضفة الشرقية للنهر التى جلبت منها الأحجار التى استُخدِمَتْ فى بناء الأهرامات، تُعيق تدفق النيل بحرية هناك.

تتدفق المياه كأنها تنبع من الصحراء نفسها إلى داخل مصر، ولا يقهر تدفقها قاهر كأنها تسكب من جرة الصرفند.

لكن على أرض الواقع كان هناك ما يقهر تدفق الماء، كما لم يكن نابعًا من جرة الصرفند، فمياه النيل تمر بعشر دول متعطشة إليها قبل أن تصل إلى حدود مصر.

وبسبب موقع مصر الجغرافى هذا الذى جعلها دولة المصب، نما داخل وجدان المصريين بطبيعة الحال شعور نفسى قومى مختلف، وكان هذا الشعور هو شكل من أشكال أزمة مياه النيل فى دولة المصب. ولم تعد «إيزيس»، إلهة الفيضان، قادرة على مد يد العون للمصريين لطمأنتهم، فهذه الأزمة ترتكز على حقيقة هيدروليكية وجيولوجية لا يمكن تبديلها.

هنا، انتهت الحدود المصرية فى العصور القديمة حيث تعيق شلالات النيل تواصل مجرى النهر وتشكل مانعًا طبيعيًا. ومع أنها قد لا تكون ظاهرة فى عصور ما قبل التاريخ، لكنّ هذه الشلالات كانت دائمًا ما تشكل مانعًا طبيعيًا لتدفق النيل بوفرة كبيرة إلى مصر. طبعًا لم ينتبه موقع مصر الجغرافى على مصب النيل منذ آلاف السنين، لكنْ أصبح هذا الموقع ينذر بخطورة أكبر اليوم وسوف تزداد خطورته فى المستقبل، أكثر من أى وقت مضى.

ما من دولة على وجه الأرض تعتمد على مصدر واحد يشكل مسارها التاريخى بالكامل إلى هذا الحد ولكنه لا يخضع لسيطرتها، وينبع من خارج حدودها. وقد لاحظ الرئيس المصرى الراحل أنور السادات هذا الأمر وأولاه اهتمامًا بالغًا عند عودته إلى الوطن بعد حصوله على جائزة نوبل للسلام.

وكان الأمر يمثل تهديدًا لمصر من وجهة نظر السادات للدرجة التى جعلته يعلن بوضوح تام استعداده لشن هجوم عسكرى على أى جهة تسعى إلى المساس بنقطة مياه واحدة من حصة مصر فى مياه النيل.

استهلاك المياه

زاد استهلاك مصر لحصتها من المياه بشكل كبير فى السنوات الأخيرة. وعلى الرغم من ذلك، تشير التقارير السنوية إلى أن متوسط استهلاك الفرد من المياه فى مصر لا يتجاوز700 متر مكعب سنويًا وهو متوسط استهلاك أقل بكثير من الحد الأدنى الضرورى دوليًا الذى يُقدر بـ1000 متر مكعب من المياه. ويعد هذا انخفاضًا كبيرًا مقارنةً ببداية عقد الستينيات، إذ كان تعداد السكان أقل من الآن وبلغ متوسط استهلاك الفرد ثلاثة أضعاف الكمية المُشار إليها تقريبًا.

ومن المتوقع أن ينخفض هذا المتوسط إلى 500 متر مكعب فى غضون بضع سنوات. وبدأت الشكاوى من نقص المياه تزداد والتقارير تتوالى من مناطق أكثر وأكثر من مصر. وزادت الصراعات التى تنشب بين كبار ملاك الأراضى وصغار الملاك من الفلاحين حول من سيروى أرضه أولًا وما كمية المياه التى سيتلقاها للري.

قدرت مصر خلال عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك أن الحد الأدنى من كمية المياه الضرورية فى عام 2020 سيكون زهاء 86 مليار متر مكعب، وهو رقم يفوق حصة مصر من مياه النيل بما يقدر بـ 35 مليار متر مكعب أو أكثر. ولا توجد قضية أخرى ترى مصر أنها أكثر حيوية فيما يتعلق بالتنمية والاستقرار أكثر من توزيع حصص مياه النيل.

فى الوقت ذاته، بدأت دول المنبع ولأول مرة فى إطلاق مقترحات لمشروعات وطنية وإقليمية وخطط لاستغلال مياه النيل فى الصناعة والزراعة والأعمال المنزلية.

والأهم من ذلك أن هذه الدول انضمت إلى حلقة الجهود الدبلوماسية المشتركة التى تسعى إلى تقويض حق مصر فى الاعتراض على إقامة أى مشروعات تستغل مياه النيل بما يهدد حصتها. وأعلنت مصر من طرفها أن هذه المساعى ما هى إلا انتهاكات تخون معاهدات النيل الملزمة دوليًا.

سد النهضة

فى أبريل من عام 2011، وضع رئيس الوزراء الإثيوبى ملس زيناوى حجر الأساس لسد ضخم جديد. يُقال إنه سيصبح أضخم سد فى إفريقيا.. إذ سيبلغ ارتفاعه 145 مترًا وسيصل عرضه إلى 1800 متر. ويحجز 63 مليار متر مكعب من المياه، وهذا ما سيجعل بحيرته الاصطناعية تستوعب كمية مياه تفوق ضعف تلك التى فى بحيرة تانا.

لم تكن فكرة تشييد سد ضخم على النيل الأزرق جديدة على الإطلاق. وخُلِّدَ فعلًا الواقع الملائم لبناء السد منذ عقود منذ ذلك الحين، والسد موجود على لوحة التخطيط الخاصة بشركة الكهرباء الإثيوبية التى تديرها الدولة، تحت الاسم الحركى «المشروع س». وبقيت الخطط الخاصة بمشروع السد سرية إلى أن حل عام 2011 حين اندلعت ثورة 25 يناير فاستغلت الحكومة الإثيوبية هذا الحدث وكشفت عن خططها لبناء السد، أولًا تحت اسم «سد الألفية»، ثم أُعيدت تسمية المشروع لاحقًا ليصبح «سد النهضة»

كان السد هو المبادرة الأخيرة والأكثر طموحًا لسياسة النيل المتَسقة التى تتبعها الحكومة الإثيوبية منذ تسعينيات القرن الماضي.

وشرع ملس زيناوى-الجندى السابق فى إحدى الحركات المسلحة-فى تطبيق سياسة من شأنها أن تقلب موازين القوى فى إثيوبيا ومنطقة حوض النيل وعلاقات الدول الواقعة به.

أمام هذا فإن قادة مصر يواجهون مطالب لم يسبق لهم أن واجهوها من قبل بهذه الحدة نفسها. فقد سيطرت مصر لآلاف السنين على النيل، لكن سد النهضة الإثيوبى على وجه التحديد هدد هذه السيطرة والهيمنة.

وهذا ما دفع الرئيس المصرى عبد الفتاح السيسي، إلى تكرار ما قاله قادة مصر السابقون مرارًا وتكرارًا فى الأمم المتحدة، فى سبتمبر 2019: إن «النيل يعد مسألة حياة أو موت بالنسبة إلى مصر».

يطرح الباحث النرويجى سؤالا: «ماذا يمكن أن يفعل المصريون عندما يصبح هناك ما يهدد سيطرتهم على تدفق النيل فى مصر؟». ثم يجيب: «يمكنهم، بل عليهم ترشيد استهلاكهم للمياه من خلال الحد من زراعة المحاصيل التى تحتاج إلى كميات وفيرة من المياه كالأرز والموز.

وهو ما حدث بالفعل حيث يتحدث الأئمة فى خطبة الجمعة عن أهمية المياه وضرورة الحفاظ عليها وعدم إهدارها. لكن فى النهاية على المدى القصير، لن يكون ترشيد استهلاك المياه كافيًا للتحسين من وضع مصر المائى الدقيق. فقد تضطر مصر، كما اقترح السادات، إلى اللجوء إلى الحلول العسكرية عند إخفاق مساعيها السلمية مع الدول التى تستغل مياه النيل بما يهدد حصتها من المياه».

لكن فى الوقت نفسه فإن الحلول العسكرية أصبحت اليوم فى جميع أنحاء العالم حلولًا معقدة. لذلك، كان الخيار الأسرع والأكثر عملية هو المراهنة على الدبلوماسية المصرية وعلى مساعى دول حوض النيل لإيجاد الحلول المثلى التى تضع مصلحة مصر فى أولى أولوياتها. وقد عمدت مصر أيضًا إلى تطوير أشكال مختلفة من التعاون الاقتصادى مع دول حوض النيل الأخرى، من أجل خلق حالة من التشجيع للتعاون فيما يتعلق بالمياه أيضًا.

وقد اختار الرئيس عبدالفتاح السيسى - يؤكد الكاتب-مسار الدبلوماسية الدولية خصوصًا بعد أن أساء الإخوان المسلمون خلال فترة حكم الراحل محمد مرسى إدارة ملف النيل دبلوماسيًا، وسرعان ما تراجعت مكانة مصر بين دول حوض النيل ودول العالم فى وقت حكمهم، إلى أن تبنت القيادة الجديدة مسارًا آخر: استغلت مصر علاقة المصالح المتبادلة بينها وبين الولايات المتحدة لتكسبها فى صفها وقت إجراء المفاوضات مع إثيوبيا. وحصدت مصر دعم المؤسسات النقدية الدولية إزاء أزمتها مع إثيوبيا. وقد أسهم هذا فى تعزيز الموقف المصرى أثناء التفاوض مقارنة بالموقف الإثيوبي.
قتل أم انتحار؟

بعد تولى السيسى الرئاسة، تغيرت السياسة الرسمية المصرية بشأن النيل؛ إذ قبلت مصر فكرة بناء السد لكنها طلبت فى المقابل عقد مفاوضات جديدة بشأن عمليات الملء والتشغيل. وتعد النقطة الأخيرة مهمة جدًا بالنسبة إلى مصر، لأنه كلما مُلِئَ السد بسرعة، قلَت كمية التدفقات المائية الجارية خلال سنوات الملء والتشغيل. لهذا، بقيت مسألة سرعة ملء خزان السد موضع خلاف دائم بين الطرفين. يلاحظ هنا أن حديث الكاتب قبل سنوات من افتتاح السد.

ما بدا مثيرًا هو ما شهدته إثيوبيا فى يوليو عام 2018، حين عُثر على مدير مشروع سد النهضة سمنجو بقلى مقتولًا بطلق نارى داخل سيارته، والتى عثر عليها متوقفة فى قلب العاصمة أديس أبابا.

وكان سلاح الجريمة داخل السيارة. وفقًا للرواية الرسمية، أُعلِنَ أن الرجل الذى كان يشرف على المشروع منذ بداية بناء السد فى عام 2011 هو الذى أطلق الرصاص على نفسه.

لكن الباحث النرويجى تارييه تفايت يقول فى تعليقه على الحادثة: «كان كبير المهندسين بقلى قد وَفَدَ إلى العاصمة الإثيوبية لعقد مؤتمر صحفى يتحدث فيه عن المخاوف المتعلقة بحملة الإنشاء، فضلًا عن الإجابة عن ادعاءات الفساد وسوء الإدارة التى كانت غير موجهة لشخصه، لكن للشركة الوطنية المنخرطة فى عمليات تنفيذ المشروع. وأثار خبر مقتله موجة من الحزن فى إثيوبيا ومجموعة من التكهنات بشأن حقيقة ما حدث».

نجحت مصر إذًا فى إدخال الولايات المتحدة والبنك الدولى فى المسار التفاوضى وتدويل القضية، وهو مسار دبلوماسى عارضته إثيوبيا بشدة، لأنها تعلم إن واشنطن والبنك الدولى قد يقفان فى صف مصر إلى حد ما.

وتحدث الرئيس عبد الفتاح السيسى مع نظيره الأمريكى دونالد ترامب، خلال ولايته الأولى (2017- 2021) وقرر ترامب أن تدخل أمريكا بثقلها السياسى والاقتصادى على خط التفاوض.

عندما التقى الرئيس الأمريكى وفودًا من مصر وإثيوبيا والسودان فى البيت الأبيض فى نوفمبر 2019، أى بعد نحو مائة عام من محاولة البريطانيين والمصريين والإثيوبيين وحكومة السودان الخاضعة لهيمنة الاستعمار البريطانى حل النزاعات المتعلقة بإقامة سدود على النيل الأزرق، اقترح أن يكون هو الشخص الذى «يقص الشريط» عند افتتاح السد لكن إثيوبيا تعمدت الغياب عن التوقيع على الاتفاق. وهنا يختم الكاتب بقوله: «أيًا ما كانت النتائج التى ستتمخض عن المفاوضات، فما من شك أنها ستلقى بظلالها على مستقبل مئات الملايين من البشر».

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة