د.عبد المسيح سمعان
د.عبد المسيح سمعان


رؤى

رحلة إنقاذ البيئة

الأخبار

الخميس، 16 يوليه 2026 - 08:45 م

فى أحد أركان المنزل، يقف جهاز كهربائى قديم انتهى عمره الافتراضي. يراه البعض مجرد قطعة «خردة» لا تستحق الاهتمام، بينما أراه بداية قصة مختلفة تمامًا؛ قصة يمكن أن تتحول فيها المخلفات إلى ثروة، ويصبح كل مواطن شريكًا فى حماية البيئة وصناعة مستقبل أكثر استدامة.

وبالتزامن مع الاحتفال بيوم البيئة العالمي، تتجدد أمامنا حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهى أن مواجهة التحديات البيئية لم تعد مسئولية الحكومات وحدها، بل مسئولية مجتمع بأكمله. فالاقتصاد الدائرى لم يعد مجرد مصطلح يتردد فى المؤتمرات، وإنما أصبح أسلوب حياة يقوم على إعادة استخدام الموارد وتقليل الفاقد وتحويل النفايات إلى قيمة اقتصادية وبيئية.

ورغم أن العديد من المصانع باتت تستقبل الأجهزة والمعدات القديمة لإعادة تدويرها، فإن الواقع يكشف أن المقابل المادى المحدود أو مشقة نقل تلك المخلفات يجعل كثيرًا من المواطنين يعزفون عن المشاركة. وهنا تضيع فرصة ثمينة، ليس فقط للاستفادة من هذه المخلفات، بل أيضًا للحد من التلوث والحفاظ على الموارد الطبيعية.

ومن هنا أرى أن الحل قد يكون أقرب إلينا مما نتخيل. فالجمعيات الأهلية المنتشرة داخل الأحياء السكنية تستطيع أن تتحول إلى حلقة الوصل بين المواطنين ومصانع إعادة التدوير، فتجمع الأجهزة والمخلفات القابلة للتدوير من المنازل مقابل حافز مناسب، ثم تنقلها بكميات كبيرة إلى المصانع. إنها فكرة بسيطة، لكنها قادرة على توفير الوقت والجهد على المواطنين، ورفع كفاءة منظومة جمع المخلفات، وخلق فرص عمل جديدة، وتحقيق عائد اقتصادى وبيئى فى آن واحد.

والحقيقة أن العمل المناخى لا ينجح إلا عندما يؤدى كل طرف دوره. فالشركات مطالبة بتطوير تقنيات إعادة التدوير، والتوسع فى استخدام مصادر الطاقة النظيفة والمتجددة، ودمج مبادئ الاستدامة فى مختلف مراحل الإنتاج. وفى المقابل، يضطلع المجتمع المدنى بدور أساسى فى نشر الوعى البيئى وتنظيم عمليات الجمع والتدوير داخل المجتمعات المحلية، بينما تواصل الدولة توفير البنية التحتية والتكنولوجيا والحوافز اللازمة لتشجيع الاستثمارات الخضراء، كما يحدث فى مشروعات الهيدروجين الأخضر التى تحظى بحوافز تسهم فى جذب المستثمرين وتعزيز هذا القطاع الواعد.

ولدى مصر من المقومات ما يجعلها قادرة على أن تكون فى مقدمة الدول الساعية للتحول الأخضر. فمشروعات الطاقة الشمسية فى أسوان وكوم أمبو، ومزارع الرياح فى جبل الزيت والزعفرانة، إلى جانب المشروعات الجديدة فى خليج السويس، تمثل نماذج حقيقية لاستثمار مواردنا الطبيعية فى إنتاج طاقة نظيفة تسهم فى خفض الانبعاثات وتحقيق التنمية المستدامة.

كما أن قطاع النقل، الذى يعد من أكبر مصادر الانبعاثات الكربونية عالميًا، يحتاج إلى مزيد من التوسع فى وسائل النقل الصديقة للبيئة واستخدام الوقود النظيف. وقد قطعت مصر خطوات مهمة فى هذا الاتجاه من خلال مبادرات إحلال وتحويل السيارات للعمل بالغاز الطبيعي، فضلًا عن التوسع فى إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة، وهى جهود تنعكس مباشرة على تحسين جودة الهواء والحد من آثار التغيرات المناخية.

إن حماية البيئة لا تبدأ من القرارات الكبرى فقط، بل من تفاصيل حياتنا اليومية. من جهاز قديم نقرر ألا نلقيه فى الشارع، ومن مخلفات نمنحها فرصة جديدة للحياة، ومن وعى يدرك أن ما نعتبره اليوم نفايات قد يكون غدًا موردًا اقتصاديًا يساهم فى بناء مستقبل أفضل.

فحين تتكامل جهود المواطن، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، والدولة، تتحول حماية البيئة من شعار نرفعه فى المناسبات إلى واقع نعيشه، ونترك للأجيال القادمة وطنًا أكثر خضرة، وهواءً أكثر نقاءً، ومستقبلًا أكثر استدامة.
أستاذ الدراسات البيئية جامعة عين شمس  
 

 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة