محمد عبدالمنعم
محمد عبدالمنعم


كل يوم

عودة حرب إيران «٢-٢»

محمد عبدالمنعم

الثلاثاء، 21 يوليه 2026 - 07:46 م

هذا الصراع -الذى اشرنا اليه فى مقال الأمس- يخدم أيضاً استراتيجية ترامب الاقتصادية بامتياز؛ فإشعال التوتر فى مضيق هرمز الذى يمر عبره نحو خمس النفط العالمي، يؤدى تلقائياً إلى قفزات فى أسعار الطاقة. هذا الارتفاع يصب مباشرة فى مصلحة شركات النفط الصخرى الأمريكية، تماشياً مع شعاره الشهير «احفر يا بنى احفر»، ليتحول الغاز والنفط الأمريكى إلى البديل والملاذ الآمن والمهيمن لأسواق أوروبا وآسيا على حساب الشرق الأوسط، وبذلك يثبت ترامب لناخبيه أنه يحقق السلام والازدهار لبلاده عبر القوة الساحقة والخاطفة وبأقل كلفة استراتيجية ممكنة.
أما ارتدادات هذا الانفجار على المنطقة فتبدو كارثية؛ حيث تحولت جبهات الوكلاء التقليدية فى اليمن، والعراق، وجنوب لبنان إلى ساحات قتال مفتوحة لتخفيف الضغط عن الداخل الإيراني. وتجد دول الخليج العربى نفسها فى مأزق هو الأصعب جيوسياسياً؛ إذ إن منشآتها النفطية الحيوية باتت هدفاً ارتدادياً للمسيرات والصواريخ الإيرانية، مما دفع بعضها للاشتباك العسكرى المباشر مع الفصائل الموالية لطهران فى العراق دفاعاً عن أمنها، مع حرصها الشديد فى الوقت ذاته على بقاء قنوات الاتصال الخلفية مفتوحة عبر عُمان وقطر، لتجنب حرب إقليمية شاملة قد تأكل الأخضر واليابس وتدمر مشاريعها التنموية الكبرى.
وفى قلب هذه العاصفة، تقف مصر متأثرةً بشكل عميق ومباشر على الرغم من ابتعادها الجغرافى عن مسرح العمليات الأساسي. التأثير الأبرز يكمن فى التهديد المباشر لأمن البحر الأحمر؛ فحرب من هذا النوع تمنح الفصائل اليمنية الموالية لطهران ضوءاً أخضر وجوبياً لتشديد حصارها البحرى واستهداف الملاحة عند مضيق باب المندب، وهو ما يترتب عليه استمرار انخفاض عوائد قناة السويس بشكل حاد نتيجة تحول السفن نحو طريق رأس الرجاء الصالح، مما يحرم الخزانة المصرية من أحد أهم مصادر النقد الأجنبى فى توقيت حرج.
ولا تتوقف الضغوط عند هذا الحد، بل تمتد لتثقل كاهل الاقتصاد المصرى بفاتورة شاهقة للطاقة والسلع الأساسية؛ فقفزات أسعار النفط عالمياً ترفع كلفة الاستيراد عن تقديرات الموازنة للدولة، يضاف إليها الارتفاع الجنونى فى كلفة الشحن والتأمين البحرى على السلع الاستراتيجية المستوردة وعلى رأسها القمح. وأمام هذا الواقع المعقد، تجد القاهرة نفسها متمسكةً بموقفها الدبلوماسى الصارم: رفض الانخراط فى أى تحالفات عسكرية هجومية، والتركيز على حماية الأمن القومى العربى والخليجى فى إطار دفاعى بحت، مع تكثيف الجهود الدبلوماسية لتهدئة الأوضاع، لإدراكها التام أن استقرار الشرق الأوسط ليس مجرد رفاهية سياسية، بل هو ركيزة أساسية لأمن مصر القومى واقتصادها بشتى أبعاده.

 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة