د. محمد شومان
د. محمد شومان


قضية ورأى

من القومية السيبرانية إلى القومية الخوارزمية

الأخبار

الثلاثاء، 21 يوليه 2026 - 07:53 م

محمد شومان

القومية الخوارزمية هى توظيف الخوارزميات والذكاء الاصطناعى والبيانات الضخمة فى بناء الهوية الوطنية، وتعزيز السردية القومية، وتوجيه الرأى العام، وتحقيق الأمن السيبرانى 

عندما أطلق المفكر الكندى مارشال ماكلوهان قبل أكثر من ستين عامًا مقولته الشهيرة «الوسيلة هى الرسالة»، كان يقصد أن الأثر الحقيقى لوسائل الاتصال لا يكمن فيما تنقله من محتوى، وإنما فى قدرتها على إعادة تشكيل إدراك الإنسان للمجتمع والعالم. وقد أثبت التاريخ صحة هذه الرؤية؛ فالطباعة لم تنشر المعرفة فحسب، بل أسهمت فى بناء الدولة القومية الحديثة، بينما أعادت الإذاعة والتليفزيون تشكيل السياسة والرأى العام خلال القرن العشرين.
ومع انتشار الإنترنت فى نهاية القرن الماضى، ظهر مفهوم «القومية السيبرانية» Cyber Nationalism لوصف استخدام الفضاء الإليكترونى فى تعزيز الهوية الوطنية، وتنظيم الحركات القومية، والدفاع عن المصالح الوطنية. وكان الاعتقاد السائد آنذاك أن الإنترنت سيؤدى إلى تراجع الدولة القومية لصالح مجتمع عالمى بلا حدود، يظهر فيه المواطن العالمى عبر الشبكة. لكن ما حدث كان العكس، إذ لم تختف القومية، بل وجدت فى البيئة الرقمية أدوات جديدة للتأثير والانتشار والحشد والتعبئة وتنظيم حملات قومية عامة.
لكن العالم اليوم تجاوز مرحلة الإنترنت بوصفه مجرد وسيلة اتصال، ودخل عصرًا جديدًا أصبحت فيه الخوارزميات والذكاء الاصطناعى هى التى تحدد ما نقرأ، وما نشاهد، وما نتفاعل معه، بل وما نغضب منه أو نتعاطف معه. وهنا يصبح من الضرورى الانتقال من مفهوم «القومية السيبرانية» الذى ظهر فى تسعينات القرن الماضى، إلى مفهوم أكثر دقة هو «القومية الخوارزمية». Algorithmic Nationalism  فإذا كانت القومية السيبرانية قد اعتمدت على المواقع الإليكترونية والمدونات ومنصات الحوار، فإن القومية الخوارزمية تقوم على أنظمة الذكاء الاصطناعى وفلاتر التصفية ومحركات التوصية التى تديرها المنصات الرقمية الكبرى. ولم تعد المعركة تدور حول نشر الرسالة الوطنية، بل حول قدرة الخوارزمية على إيصال هذه الرسالة إلى الجمهور المناسب، فى اللحظة المناسبة، وبالصيغة الأكثر تأثيرًا.
أصبحت الخوارزميات اليوم تقرر نوعية الأخبار التى تتصدر شاشاتنا، ومحتوى وشكل مقاطع الفيديو التى ستنتشر، والقضايا تتحول إلى «تريند». وبهذا المعنى لم تعد الخوارزمية وسيطًا محايدًا، بل شريك فى صناعة الإدراك الجمعى، وصياغة السرديات الوطنية، وتشكيل الرأى العام. بل وإعادة تعريف من هو الصديق ومن هو الخصم.
وتقدم الحرب الروسية الأوكرانية، وحرب الإبادة الجماعية فى غزة ولبنان، والحرب الأمريكية الإيرانية نماذج واضحة لهذه التحولات، حيث اعتمد كل طرف وبنسب مختلفة على الذكاء الاصطناعى، وتحليل البيانات، والحملات المنظمة على وسائل التواصل الاجتماعى، واستخدام الحسابات الآلية، وإنتاج محتوى مرئى قادر على تعبئة الرأى العام المحلى والدولى. ولم تعد السيطرة على الأرض وحدها هدفًا استراتيجيًا، بل أصبحت السيطرة على تدفق المعلومات والرواية الإعلامية جزءًا من معادلة القوة. وتحولت الرسوم، والميميز والمقاطع القصيرة، والصور المولدة بالذكاء الاصطناعى، وعمليات التحقق من المحتوى، إلى أدوات تؤثر فى تشكيل الرأى العام العالمى. وأصبح السؤال الأهم ليس: أى الروايات أكثر صدقًا؟ وإنما: أى الروايات ستمنحها الخوارزمية فرصة أكبر للانتشار؟
هكذا انتقل العالم من عصر كانت فيه التكنولوجيا تنقل الرسائل، إلى عصر أصبحت فيه التكنولوجيا تصنع الرسائل، وتختار جمهورها، وتحدد مدى انتشارها. وربما لو كان مالكوها بيننا اليوم، لقال إن «الخوارزمية هى الرسالة». فالقوة فى القرن الحادى والعشرين لن تكون لمن يمتلك السلاح وحده، ولا لمن يمتلك وسائل الإعلام فقط، وإنما لمن يمتلك الخوارزمية القادرة على تشكيل العقول قبل التأثير فى الوقائع.
من هنا بدأت عديد من الدول، الصين والولايات المتحدة وروسيا على سبيل المثال، تتعامل مع الذكاء الاصطناعى والخوارزميات بوصفها من مكونات الأمن القومى، وبدأت تستثمر بكثافة فى تطوير خوارزميات قادرة على تحليل اتجاهات الرأى العام كل ساعة، ومواجهة حملات التضليل وكشف الشائعات، وتعزيز السردية الوطنية. إضافة إلى بناء قدراتها فى الأمن السيبرانى، وحماية بياناتها، وإدارة فضائها الرقمى باعتبارها جزءًا من سيادتها الوطنية.
إن التحول الحقيقى لا يكمن فى استخدام الذكاء الاصطناعى، وإنما فى انتقال المنافسة بين الدول من امتلاك وسائل الإعلام إلى امتلاك الخوارزميات. فالدولة التى تمتلك بيانات أكثر، وخوارزميات أكثر كفاءة، وقدرة أعلى على تحليل السلوك الرقمى، تصبح أكثر قدرة على التأثير فى مواطنيها، وفى الرأى العام العالمى، وعلى حماية أمنها المعلوماتى. ولعل السؤال الذى يطرح نفسه، هل تمتلك الدول العربية خوارزمياتها الوطنية، أم أنها ما تزال تخوض معاركها داخل خوارزميات تصممها وتديرها شركات عالمية؟ وهل يمكن الاعتماد على القدرات البشرية والموارد المادية العربية لتحقيق الأمن السيبرانى؟

 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة