هشام مبارك
احم احم
«لامين يامال».. مالوش مثال !
الثلاثاء، 21 يوليه 2026 - 07:47 م
بينما كان المصورون يبحثون عن اللقطة التاريخية مع البطل، كان كين يفسدها بكل براءة فيحولها إلى لقطة أجمل وأصدق
أعترف أننى كنت أتابع مباريات كأس العالم بعين على الكرة، والأخرى على الكاميرات. نعم الكرة ممتعة، لكن الكاميرا بالنسبة لمشاهدى البيوت أمثالى هى صانع الألعاب الذى يوزع المتعة على المستطيل الأخضر والمدرجات ودكة البدلاء، بل وعلى وجوه الناس وقلوبهم.. كان البطل الحقيقى فى هذه البطولة هو العفوية.. لاعب يبكى لأنه حقق حلم عمره، وآخر يبكى لأنه ضاع منه حلم العمر. أم تقفز فى المدرجات بقلب فتاة صغيرة، وأب يحمل ابنه على كتفيه ليصنع له ذكرى يرويها لأحفاده بعد سنوات. طفل يرسم علم بلاده على وجهه بطريقة محببة وخدود الصبايا تزينت لقُبلة من الوطن.
أما مخرجو النقل التليفزيونى، فيستحقون ميدالية لا تقل قيمة عن ميداليات اللاعبين. لم يكتفوا بنقل المبارايات، بل نقلوا الحياة التى كانت تدور حولها. كانوا يعرفون متى يتركون الكرة لتتبع دمعة أم، أو ضحكة طفل، أو وجه مشجع يدعو بكل جوارحه، أو لاعب احتياطى يقضم أظافره من شدة التوتر.
أحيانًا كنت أشعر أن الكاميرات لم تعد تلتقط الصور، بل تلتقط النبضات. تدخل إلى أعماق اللاعبين قبل أن تدخل إلى منطقة الجزاء، وتكشف ما يدور داخل القلوب أسرع مما تكشف تقنية الفار موضع القدم من التسلل.
وسط هذه اللوحة البديعة برز اسم اللاعب الإسبانى لامين يامال الذى كلما سمعت اسمه أو شاهدته يلعب وجدت نفسى دون سابق إنذار، أدندن بصوت فريد الأطرش: «جميل جمال مالوش مثال» التى كان يغنيها فى فيلم لحن الخلود بصحبة فاتن حمامة وماجدة. لا أدرى إن كان السبب هو تشابه الاسم مع مطلع الأغنية، أم أننى وجدت ملخصًا لحكاية هذا الفتى فى شطر أغنية كُتبت قبل عشرات السنين.. فهذا الصبى الإسبانى لم يكن جميلًا فى طريقة لعبه فحسب، بل كان استثناءً حقيقيًا. لاعبًا يراوغ بثقة الكبار، ويحلم ببراءة الصغار، ويكتب التاريخ، وهو لا يزال ذلك الشاب المراهق الذى تُعد كرة القدم مجرد فقرة من فقرات يومه مثلما قال فى مؤتمر صحفى عقب مباراة مهمة أن كل ما يفكر فيه الآن هو أين سيخرج مع خطيبته ومتى سيعود ليتناول العشاء مع أسرته!
فى المونديال الذى لملم أوراقه بعد شهر من المتعة، تابع عشاق الساحرة المستديرة لامين يامال، ليس ابن عائلة كروية عريقة، ولا وريثًا لإمبراطورية رياضية، فهو ابن أسرة بسيطة، لأب مغربى وأم من غينيا الاستوائية، لعب الكرة فى الأحياء الشعبية، ثم احتضنته أكاديمية «لا ماسيا» ذلك المصنع الذى يحول الأطفال إلى نجوم، ومنذ ظهوره الأول، بدا كأنه لاعب قادم من المستقبل. وجاءت بطولة كأس العالم، فكانت الامتحان الأكبر، لكنه تعامل معها كما يتعامل طالب متفوق مع امتحان يعرف إجاباته قبل أن يفتح ورقة الأسئلة. راوغ وصنع وسجل وأمتع، ثم أنهى البطولة بالصورة التى يحلم بها كل طفل يداعب الكرة فى الشارع، رفع كأس العالم، بينما كانت إسبانيا كلها ترفع رأسها فخرًا به وببقية الفريق.
اللطيف فى تلك البطولة أنها لم تكتفِ بلامين وحده. فقد ظهر منافس شرس على لقب نجم الجماهير، ألا وهو الطفل الصغير «كين»، شقيق لامين. هذا الطفل الذى دخل إلى الاحتفالات وهو لا يدرك أنه فى نهائى كأس العالم، ويبدو أنه كان يعتقد أن كل هذا الزحام قد اجتمع من أجل مشاهدته هو شخصيًا يركض هنا ويختبئ هناك، ويتمسك بالكأس مرة، ثم يتركها ليجرى خلف شيء آخر أكثر إثارة بالنسبة لطفل فى عمره. بينما كان المصورون يبحثون عن اللقطة التاريخية مع البطل، كان كين يفسدها بكل براءة فيحولها إلى لقطة أجمل وأصدق. تذكرت القاعدة الصحفية التى تقول: «أفضل اللقطات هى التى لا يخطط لها أحد».
وفى النهاية، قد يحفظ التاريخ اسم لامين يامال باعتباره أحد أصغر من قادوا منتخبهم إلى المجد، لكن ذاكرة الجماهير ستحتفظ أيضًا بذلك الطفل المشاغب «كين» الذى ذكّرنا بأن أجمل ما فى كرة القدم أنها، رغم مليارات الدولارات التى تدور حولها، لا تزال تحتفظ بمساحة واسعة للبراءة. لهذا كله، لم يكن لامين يامال مجرد نجم بطولة، ولم يكن كين مجرد شقيق لبطل، ولم تكن الكاميرات مجرد ناقل للأحداث. كانوا جميعًا أبطال حكاية واحدة أكدت أن كرة القدم لا تُلعب بالأقدام وحدها، بل تُكتب أيضًا بالقلوب ولذلك سيظل لامين يامال، بحق، مالوش مثال!.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة










عقبال 100 سنة كمان
الشرع فى لبنان… على الطريقة السورية
الشيطان أشطر من ميسى فشجعوه!
وسائل التفاسخ الاجتماعى !
من القومية السيبرانية إلى القومية الخوارزمية
إيران فازت فى غزة
المقعد الثالث
لماذا نصدق السوشيال؟
عودة حرب إيران «٢-٢»