نوال مصطفى
نوال مصطفى يكتب: «صباح الأحد»
السبت، 25 أبريل 2026 - 08:35 م
وضع الروائى الكبير «يحيى حقى» يده على الجرح منذ 66 عامًا، فى روايته الفريدة «قنديل أم هاشم» الصادرة عام 1960، وتحولت لفيلم عام 1968، وهو جوهر الصراع الأزلى بين العلم والخرافة، خاصة فى مجتمعاتنا الشرقية التى تلتصق بالإيمان وفى الوقت نفسه مدفوعة بحكم التطور نحو العلم، تذكرت خيوط هذه الصراع وأنا أتابع خبر رحيل الطبيب المصرى ضياء العوضى فى دبى فجأة، وهو فى السادسة والأربعين من عمره، تاركًا وراءه جدلًا ربما أكبر من الجدل الذى أثاره فى الفترة الأخيرة من حياته.
فقد انقسم الناس حوله بين مؤمن به إلى حد التقديس، وبين رافض لما يطرحه إلى حد الاتهام، وبين الفريقين تقف حكاية أعمق من مجرد طبيب مثير للجدل، تفتح ملفا يحتاج منا جميعا أن نراجع علاقتنا المعقدة بين العلم والخرافة، وبين الحقيقة والوهم.
كان ضياء العوضى ظاهرة لافتة. لم يكن طبيبًا عاديًا يكتفى بممارسة الطب داخل العيادة أو المستشفى، بل اختار طريقًا مختلفًا؛ طريق نشر أفكار وأساليب علاجية اعتبرها الأطباء بلا سند علمى واضح. تحدث عن طرق علاج غير تقليدية، وروّج لأساليب أثارت فضول الجمهور وحيرتهم فى الوقت نفسه، فكم من أشخاص أصحاب علم ومناصب رفيعة ومستويات اجتماعية راقية يسلمون أنفسهم للدجالين، الأمر ليس مقتصرًا على غير المتعلمين فقط، فنحن هنا لسنا أمام ظاهرة علمية فقط، بل اجتماعية أيضًا.
فالملايين الذين تابعوه لم يفعلوا ذلك بدافع الجهل وحده، بل بدافع الأمل. الإنسان عندما يواجه المرض أو الألم يصبح أكثر استعدادًا لتصديق أى وعد بالشفاء، حتى لو لم تدعمه الأبحاث أو التجارب العلمية. وهنا تبدأ المنطقة الرمادية التى يتحول فيها الطبيب «فى نظر البعض» إلى منقذ، وفى نظر آخرين إلى بائع أوهام.
رحيل العوضى المفاجئ أعاد فتح كل هذه الأسئلة دفعة واحدة. البعض رثاه باعتباره طبيبًا شجاعًا حاول كسر القوالب التقليدية ولم يُمنح الوقت الكافى لإثبات أفكاره. والبعض الآخر رأى فى رحيله نهاية مأساوية لقصة اختلط فيها الطموح بالوهم، والعلم بالادعاء.
لكن القضية فى حقيقتها ليست قضية شخص واحد. إنها قضية ثقافة كاملة. فالمجتمعات التى لا تُربّى أبناءها على التفكير النقدى واحترام المنهج العلمى، تظل أرضًا خصبة لانتشار الدجل والأفكار المغلفة بطابع دينى من قشور الدين، مهما تغيّرت الأسماء والوجوه. الدجال لا يعيش فى الفراغ؛ بل يعيش فى بيئة تصدّق بسهولة، وتبحث عن المعجزات أكثر مما تبحث عن الحقائق.
العلم الحقيقى لا يطلب الإيمان الأعمى، بل يطلب السؤال والبرهان والتجربة. بينما يقوم الدجل دائمًا على العكس: كلمات كبيرة، ووعود واسعة، وجمهور يبحث عن الأمل السريع.
لهذا فإن السؤال الأهم بعد رحيل ضياء العوضى ليس من كان الرجل حقًا؟ بل كيف نحمى الأجيال القادمة من الوقوع فى الفخ ذاته؟ كيف نعلّم أبناءنا أن احترام العلم لا يعنى رفض الابتكار، لكنه يعنى أن كل فكرة - مهما بدت لامعة - يجب أن تمر عبر بوابة الدليل والتجربة.
إنها معركة قديمة بين العقل والوهم، معركة لن تُحسم إلا عندما يصبح العلم فى وعينا اليومى قيمة، لا مجرد شعار.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة










فى الخامس من يونيو
إدانة.. ولكن «2»
الذكاء الاصطناعى سفينة نوح
الكل فى «ضهر المنتخب»
انتهاك إيرانى
المنشاوى.. العظيم
محمد علي السيد يكتب: الأسرى.. عبيد وألات.. وفي الإسلام بشر
شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»