د. غادة محفوظ
د. غادة محفوظ


د.غادة محفوظ: ليس كل انتصار يستحق الاحتفال.. وليس كل احتفال في موعده

بوابة أخبار اليوم

الخميس، 16 يوليه 2026 - 05:07 م

لا أحد يزايد على وطنية المصريين، ولا أحد يستطيع أن يشكك في عشق هذا الشعب لعلمه ومنتخبه. كنا جميعًا خلف المنتخب المصري، وفرحنا بوصوله إلى دور الستة عشر، ووقفنا احترامًا للمقاتلين داخل الملعب بقيادة الكابتن حسام حسن وجهازه الفني، بعد أداء اتسم بالإصرار والعزيمة حتى اللحظات الأخيرة.

لكن الوطنية الحقيقية لا تقف عند حدود المشاعر، بل تمتد إلى حسن ترتيب الأولويات.

نعم… تعرض المنتخب في بعض محطات البطولة لقرارات تحكيمية أثارت علامات استفهام، ونعم… كان هناك ما يستحق الدفاع عن حق المنتخب المصري بكل قوة. لكن الحقيقة التي يجب ألا نهرب منها أيضًا، أن الحفاظ على النتيجة في الدقائق الأخيرة جزء من كرة القدم، وأن مراجعة الأخطاء هي الطريق الوحيد لصناعة بطل حقيقي.

ولهذا فإن تحويل الهزيمة إلى مشهد احتفالي واسع يطرح سؤالًا مشروعًا، لا يحمل إساءة لأحد، ولا ينتقص من قيمة اللاعبين.

هل نفرح بالمحاولة؟ نعم.

هل نحترم من اجتهد؟ نعم.

لكن هل نحتفل بالهزيمة وكأنها بطولة؟ هنا يصبح السؤال حقًا للمجتمع كله.

الأمم العظيمة تحتفي بالإنجاز، أما التجارب فتُراجع وتُقيَّم وتُبنى عليها خطوات جديدة.

وليس المقصود من هذا الحديث التقليل من قيمة المنتخب أو من قيمة الرياضة، فالرياضة إحدى أدوات القوة الناعمة للدولة المصرية، ولكن القوة الناعمة لا ينبغي أن تطغى على القوة الاجتماعية والاقتصادية التي ينتظرها المواطن كل صباح.

فالمواطن الذي يبحث عن فرصة عمل، أو ينتظر عودة الدعم الذي حُرم منه، أو يكافح من أجل توفير احتياجات أسرته، ينظر إلى كل جنيه من المال العام أو من التبرعات الوطنية باعتباره فرصة لتخفيف معاناة إنسان، أو إنشاء مصنع، أو دعم أسرة، أو علاج مريض، أو تطوير مدرسة.

ولذلك فإن السؤال ليس: هل نكرم أبناءنا الرياضيين؟

الإجابة بالتأكيد نعم.

لكن السؤال الأهم: هل أصبحنا نُحسن ترتيب الأولويات بما يتناسب مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها مصر؟

الوطن اليوم يحتاج إلى كل جنيه، وكل فكرة، وكل مبادرة تخلق إنتاجًا، وتفتح باب رزق، وتعزز الحماية الاجتماعية للفئات الأولى بالرعاية.

أما المشهد الآخر الذي استوقفني، فهو رفع أعلام غير العلم المصري في مناسبة يمثل فيها المنتخب مصر وحدها.

القضية الفلسطينية ليست في حاجة إلى مزايدات من أحد. ومصر كانت، وما زالت، وستظل الدولة التي دفعت أثمانًا سياسية وعسكرية وإنسانية دفاعًا عن القضية الفلسطينية أكثر من أي أحد. لكن لكل مقام مقال، ولكل مناسبة رسالتها.

وحين يلعب منتخب مصر، فإن الراية التي يجب أن تتصدر المشهد هي راية مصر.

ليس لأننا نتخلى عن أشقائنا، ولكن لأن تمثيل الوطن في المحافل الدولية له رمزيته، وله هيبته، وله رسالته التي لا يجوز أن تختلط بأي رسائل أخرى، مهما كانت عدالتها.

إنني أكتب هذه الكلمات من منطلق الانتماء، لا من منطلق المعارضة، ومن منطلق الحرص، لا من منطلق الانتقاد.

أحلم بمصر التي تفرح بانتصاراتها، لكنها لا تخلط بين التكريم والمبالغة، ولا بين التشجيع وصناعة الأبطال على حساب أولويات المجتمع.

فالأوطان لا تُبنى بالتصفيق وحده، وإنما تُبنى حين يشعر المواطن البسيط أن الدولة والمجتمع يضعان احتياجاته في صدارة الاهتمام، وأن كل قرار، وكل احتفال، وكل مبادرة، تُقاس أولًا بميزان مصلحة مصر.

لأن مصر… هي البطولة الأكبر، وهي القضية الأولى، وهي العلم الذي يجب أن يظل دائمًا في المقدمة

 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة