اسامة عجاج
اسامة عجاج


فواصل

الشرع فى لبنان… على الطريقة السورية

أسامة عجاج

الثلاثاء، 21 يوليه 2026 - 09:01 م

قالها الرئيس ترامب، وكررها أكثر من مرة فى مناسبات مختلفة، آخرها الأسبوع الماضى، أجاب بوضوح وبدون مواربة (أحمد الشرع يريد أن يتولى أمر حزب الله بطريقة مختلفة، وهو فى انتظار الحصول على الضوء الأخضر)، وأبدى قناعاته بأن بقدرة الرئيس السورى على التعامل مع الملف اللبنانى، أفضل بكثير  من نتنياهو وتل أبيب، وقبل الخوض فى التفاصيل الكثيرة حول التكليف الأمريكى، والقبول به سوريا، علينا أن نعترف بأن التفكير فى هكذا حل، لا يأتى من فراغ، ولكنه يعتمد على ميراث تاريخى مؤلم ومأساوى فى العلاقات بين البلدين، خلال الحقب الماضية، وسنتوقف عند المحطتين الأهم، اللتين شهدتا تدخلات كارثية من البلدين فى شئون الآخر:  
المحطة الأولى: التدخل السورى فى لبنان، ففى محاولة عربية لإنهاء الحرب الأهلية التى عاشتها البلاد عام ١٩٧٥، تم التوافق على تشكيل قوات ردع عربية من ٣٥ ألف جندى، بهدف احتواء الصراع اللبنانى اللبنانى، اعتمدت بالأساس على قوات سورية بحوالى ٣٠ ألف جندى، مع تمثيل رمزى من السودان والسعودية وليبيا والإمارات العربية المتحدة، وسرعان ما سحبت هذه الدول قواتها المحدودة، وبقى الجيش السورى، ليفرض وصايته على القرار الألأمنى والسياسى اللبنانى، ومحاولة تقويض منظمة التحرير الفلسطينية، وإحداث انقسام فى الصف الفلسطينى، بعد تشكيل ميليشيات تابعة لها وهى جيش التحرير الفلسطينى، وعلى الصعيد اللبنانى، قامت سوريا بدعم حركة أمل، وبعض الميليشيات المارونية، على حساب قوى أخرى، وتسبب هذا الوجود فى سقوط أكثر من ٢٠ ألف قتيل، والقيام بعمليات اغتيال لرموز معارضة له، منهم كمال جنبلاط، وكذلك اعتقالات واختفاء قسرى للمعارضين، واضطرت إلى الانسحاب مجبرة، بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبنانى الأسبق رفيق الحريرى، وقيل إنها قد تكون متورطة بالدعم فى العملية. 
المحطة الثانية: التدخل اللبنانى عبر حزب الله فى سوريا، حيث كانت اندلاع الانتفاضة الشعبية فى منتصف مارس عام ٢٠١١، تهديد خطير لمشروع الهلال الشيعى، الذى استثمرت فيه إيران كثيرًا، ويبدأ من طهران إلى لبنان مرورًا بالعراق وسوريا، وتسببت الانتفاضة فى خلل خطير له، فكان القرار الإيرانى تقديم الدعم الكامل للحفاظ على نظام بشار الأسد، والبداية عن طريق عناصر حزب الله، فى البداية، أنكر الحزب أى  دور له فى مواجهة الانتفاضة، واعتبرها مزاعم ودعاية مغرضة من الأعداء، وسرعان ما تحول الأمر إلى مصدر فخر لقياداته، والوقائع تكشف عن ارتكابه العديد من المجازر فى حق السوريين، منها مجزرة الحولة عام ٢٠١٢، وأخرى  فى بلدة العتيبة بريف دمشق، وفرض عمليات حصار وتهجير على العديد من المدن، وتتحدث بعض التقارير عن وصول ضحايا تلك الفترة، إلى نصف مليون شخص نتيجة العمليات العسكرية للروس، والحرس الثورى وعناصر حزب الله. 
وهكذا، وعلى ضوء هذا التاريخ المأساوى من العلاقات، جاءت دعوة ترامب للشرع بالتدخل، فى مقايضة تتسم بالسذاجة، وإن كانت مقبولة فى عالم الصفقات العقارية، وعنوانها الدعم الكامل على كافة الأصعدة، مقابل تصفية حساباته مع الحزب، والمساهمة فى نزع سلاحه، وتعزيز فكرة الانتقام، خاصة وأن الشرع  لم ينف أن هناك (جرحًا) كبيرًا لدى السوريين، من انخراط حزب الله فى دعم النظام السابق، وبالطبع فإن سياسات الدول لا تسير بهذه الصورة، ويذكر فى هذا الشأن، التهديدات الشهيرة من  السفير توم باراك مبعوث ترامب إلى لبنان، بإعادة رسم خريطة المنطقة، وإعادة إحياء منطقة الشام القديمة، وعمودها الفقرى سوريا، وضم لبنان إليه، إذا فشلت الدولة فى معالجة ملف السلاح، والغريب أن ترامب يحاول الترويج بوجود قبول سورى لهذه المهمة، واستعداد حكومى لبنانى لها، رغم عدم وجود مؤشرات لذلك، خاصة أن هناك وعيًا من النظام، بالتحديات التى تواجه البلاد، تمنعه من الدخول فى أى مغامرة خارجية، غير محسوبة أو الوقوع فى المستنقع اللبنانى بكل تعقيداته، حيث تعانى دمشق من حالة عدم استقرار أمنى، وتعانى من عمليات وتفجيرات إرهابية، آخرها الذى وقع أثناء زيارة الرئيس الفرنسى ماكرون لدمشق، مع استمرار الخطر الأكبر، المتمثل فى أطماع تل أبيب، التى لم تنجح واشنطن فى وقفها، التى تقوم بتوسيع مساحة وجودها من الجولان إلى جنوب دمشق، مع استمرار استهداف عسكرى بعض المناطق.
وقد يفسر ذلك شكل التحرك السورى القادم باتجاه لبنان، والذى يتقاطع تمامًا مع فكرة التدخل العسكرى لنزع سلاح الحزب، وهى المهمة التى فشل فيها الجيش الإسرائيلى، بكل قدراته، ويمكننا رصد مسارات السياسة السورية تجاه لبنان فى التالى:
المسار الأول: حدده الرئيس أحمد بالحديث عن  الأمر يتم شكل التعامل وفق القوانين الدولية، واحترام سيادة الدول وحسن الجوار، واستعداده للجلوس مع كافة الأطراف اللبنانية، بما فيها حزب الله، لخدمة مصالح واستقرار البلدين. 
المسار الثانى: تقديم الدعم الكامل للحكومة اللبنانية، وتنشيط الاتصالات بين الجانبين، ومنها زيارة وزير الخارجية أسعد الشيبانى إلى بيروت أوائل هذا الشهر، وهى الثانية له، والتى تضمنت لقاءاته مع رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الوزراء نواف سلام، كما حرص هذه المرة على لقاء رئيس مجلس النواب نبيه برى، اتسمت بالإيجابية، وتم توجيه الدعوة له لزيارة دمشق، وهو المعروف بعلاقاته الاستراتيجية مع حزب الله، وسبق لرئيس مجلس الوزراء اللبنانى نواف سلام أن زار دمشق، حيث تم التوافق على إنشاء لجنة مشتركة بين البلدين، لتشكل أعلى إطار مؤسسى للتشاور. 
المسار الثالث: وهو حق أصيل، وواجب وطنى على الحكومة السورية، وهو القيام بضبط الحدود بين البلدين، وتصل إلى ٣٧٥ كيلومترًا، وقد عزز الجيش السورى انتشاره من خلال فرقتين سوريتين فى حالة تأهب تام، لمنع عمليات تهريب السلاح وتسلل العناصر التابعة لأى من عناصر الميليشيات التابعة لإيران، وقد حققت نجاحات، وآخرها الإعلان الخميس الماضى عن إحباط وزارة الداخلية السورية، محاولة تهريب شحنة أسلحة نوعية كانت فى طريقها إلى حزب الله، هو نفس الأمر الذى يتم تنفيذه على الحدود مع العراق، حيث أحبطت شحنة أسلحة قادمة نوعية من العراق إلى حزب الله، ضمت صواريخ بعيدة المدى، وصواريخ موجهة مضادة للدروع وطائرات مسيرة.
وبعد، فإن تصريحات ترامب ليست تعليمات واجبة التنفيذ، وسوريا ليست فى وارد، فتح جبهات جديدة، لصراع عبثى، بل تركز على إعادة بناء مؤسساتها، وتعافى مجتمعها، والبدء فى مخطط التنمية الاقتصادية والإصلاح السياسى.

 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة