نوال مصطفى
نوال مصطفى


نوال مصطفى تكتب: «صباح الأحد»

نوال مصطفى

السبت، 16 مايو 2026 - 09:07 م

داخل مبنى «قنصلية» العريق بوسط البلد، أقامت الدار المصرية اللبنانية احتفالية أنيقة، مبهجة بمناسبة فوز الأديب المستشار أشرف العشماوى بجائزة الشيخ زايد للكتاب فرع الآداب عن مجموعته الروائية « مواليد حديقة الحيوان»..

قابلت فى تلك الأمسية وجوهًا لأصدقاء وصديقات أعزاء، أدباء ونقادًا وناشرين وشخصيات عامة، كان الدفء الإنسانى هو الموجة التى سرت بيننا جميعًا، شعور بالفرحة نتقاسمه وكأن الفوز شخصيًا، موجه لكل واحد فينا، وليس للكاتب الفائز وحده. هل لأن معظمنا يشعر بأن أشرف العشماوى يمثل نموذجًا ملهمًا للكاتب المثابر الذى دخل عالم الأدب باهتمام وترقب، وشغف حقيقى بالكتابة؟ هل لأنه أصر على المضى فى مشروعه الأدبى حتى النهاية بكل إيمان وإرادة؟

فى كل مرة أتأمل فيها تجربة أشرف العشماوى، تتزاحم الأسئلة داخل رأسى: كيف يستطيع إنسان أن يوازن بين مسئولياته الثقيلة كقاض يجلس على منصة العدالة، وبين الجهد الإنسانى والذهنى الذى تتطلبه الكتابة الإبداعية؟ كيف يجد الوقت والطاقة كى يقرأ، ويكتب، ويعيد صياغة نصوصه، ويطور أدواته الفنية عامًا بعد عام؟ وعملًا بعد عمل؟ كيف استطاع أن يصعد درجات السلم الأدبى بثبات، دون أن يتخلى عن عمله الأساسى أو يتحول إلى كاتب متفرغ؟

ربما لهذا السبب تحديدًا يبدو نجاحه ملهمًا للكثيرين وأنا منهم؛ لأنه يثبت أن الإبداع ليس رفاهية مرتبطة بالتفرغ الكامل، لكنه شغف عميق، وقدرة نادرة على إدارة الوقت والطاقة والحياة نفسها. فالرجل لم يكتفِ بكتابة رواية ناجحة أو اثنتين، بل استطاع أن يبنى مشروعًا أدبيًا واضح الملامح، حصد من خلاله جوائز مهمة، وترجمت أعماله إلى لغات عديدة، وتحولت بعض رواياته إلى مشروعات درامية تتنافس عليها شركات الإنتاج.

خلال الاحتفالية، لم يكن الحاضرون يحتفلون فقط بجائزة جديدة، بل كانوا يحتفلون برحلة كاملة من الاجتهاد والإيمان بالفكرة. رحلة تقول للأجيال الجديدة من الكتاب إن الموهبة وحدها لا تكفى، وإن النجاح الحقيقى يحتاج إلى صبر طويل، وانضباط، واحترام حقيقى للكتابة بوصفها عملًا جادًا لا مجرد هواية عابرة.

ولعل أجمل ما فى هذه الأمسية أنها أعادت التذكير بقيمة الثقافة نفسها فى زمن يمتلئ بالضجيج والسرعة. فوسط عالم يلهث خلف الشهرة اللحظية، يبقى الأدب الحقيقى قادرًا على الصمود والتشبث، ويبقى الكاتب المجتهد قادرًا على الوصول مهما تأخرت اللحظة.

لا يمكن الحديث عن هذه الاحتفالية دون توجيه الشكر والتقدير إلى الدار المصرية اللبنانية التى تمتلك رؤية حقيقية فى صناعة النشر، وفكرًا يقوم على تبنى المواهب الجادة ودعم رحلتها الإبداعية حتى تصل إلى أوسع مدى ممكن. فنجاح كاتب كبير مثل أشرف العشماوى لا يأتى فقط بالكتابة والإتقان والموهبة، ولكن بوجود دار نشر تؤمن بمشروعه وتسانده باحتراف ووعى وصبر.

ويحسب للدار ولمؤسسها الأستاذ محمد رشاد هذا النهج الثقافى الناضج الذى جعل منها واحدة من أهم دور النشر العربية تأثيرًا وحضورًا. كما يبدو واضحًا الدور الحيوى الذى تقوم به القيادات الشابة الواعدة داخل الدار، الأساتذة نرمين ونورا وأحمد رشاد، الذين نجحوا فى المزج بين الحداثة والتكنولوجيا وروح العصر، وبين الخبرة الكبيرة والرصيد الثقافى العريق الذى تمتلكه الدار عبر سنوات طويلة.

وربما كانت النتيجة الطبيعية لهذا المزيج الذكى هى ذلك الوهج اللافت الذى نراه اليوم فى إصدارات الدار، والحضور القوى والمتصاعد لكتابها فى المشهد الثقافى العربى.
مبروك من القلب للمستشار أشرف العشماوى وللدار المصرية اللبنانية.

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة